ولاشك أن هذا الفن اكتسب على مدى الأيام قيمة كبيرة، ومكانة سامية في ميدان الغناء والطرب، حتى إنه استهوى المشارقة، فراح عدد منهم ينظم الموشحات كابن سناء الملك، وابن نُباتة المصري، وصفي الدين الحلي، وتابعهم آخرون حتى العصر الحديث كالشاعر أحمد شوقي الذي نظم موشحته"صقر قريش"على طريقته الخاصة، وقبله سليمان البستاني في ترجمته لإلياذة هوميروس، فبرهنا بذلك على مطاوعة هذا الفن لنظم الملاحم.
وبذلك تكون الموشحات الأندلسية منعطفًا بارزًا في مسيرة الشعر العربي، لأنها أول محاولة تجديدية في الشعر العربي على الإطلاق، والذي عرف بتقاليده الفنية الراسخة، وعراقة تلك التقاليد وقوتها، لذلك لو لم يكن للموشحات إلا أنها كسرت هذا الطوق، وانطلقت منه إلى نظام شعري جديد، لكفى أن تلتفت إليها الأنظار، ويُبحث عن دواعيها ونتائجها، وإن كان هذا النظام الجديد مرتبطًا بإطار التقفية والتنويع في الوزن والإيقاع الموسيقي، وتنوع الأجواء الفنية الخارجية دون أن يتعداها إلى المضمون المرتبط برؤيا الشاعر إلى الوجود، والمتصل بمنابع الثقافة الفكرية، وآرائه في الحياة الاجتماعية، وسبر أغوار النفس.