وفي سنة 165هـ/ 781م انطلق الرشيد بالصائفة التي وصل تعداد رجالها 95763 رجلًا ونفقتها 194000 دينار و 14300 درهم (الدينار يساوي عشرين درهمًا) . ووصل القسطنطينية عاصمة الروم/ وصل إليها العرب ثلاث مرات في العهد الأموي/. وأرعب الروم وقاتل قتالًا حقيقيًا وتعرّض للمخاطر بجانب يزيد بن مزيد ورضخت ملكة الروم"إيريني"الملقبة بأغسطة لجزية سنوية قدرها 70000 دينار وإعاشة الجيش حتى وصوله الحدود وإقامة الأدلاء والأسواق في طريق عودته، لأنه طرق أراضي لم يعرفها أحدٌ من جنده، وبعد عودته المظفرة أخذ له والده المهدي البيعة بعد موسى الهادي ولقّبه بالرشيد لما أبداه من رشدٍ ومهارةٍ وحزمٍ.
وعن هذا النصر الميمون تحدث الشعراء في الآفاق، فارتفع صوت مروان بن أبي حفصة:
أطفتَ بقسطنطينية الروم مسندًا
وما رمْتَها حتى أتتك ملوكها ... بجزيتها والحربُ تغلي قدورها ( [5] )
وكان الرشيد يستعذب هواء الرقة في الصيف، فيستريح في رياضها الظليلة قبل الصائفة وبعدها، ويريح الجيوش في ربوعها. ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
وقد كان المهدي قد اعتنى بالرافقة، ونقل أسواق الرقة ( [6] ) "القديمة إلى المزارع الكائنة بين الرقة والرافقة واتصلت أبنية الرقة بأبنية الرافقة وصارت كلها تدعى الرقة."
واستصلحت الأراضي حولها، وتحولت إلى حدائق بأزهارٍ وثمار وأطيار وأنهار، وأحب الرشيد تلك الحدائق وتعلّق بنهري رقة واسط /الهني والمري/، وحين نوى الهادي أن يمنح ولاية العهد لولده جعفر بدلًا من الرشيد عرض عليه الهني والمري، وكاد الرشيد أن يقبل العرض قائلًا: إذا حصلت على الهني والمري وخلوت بابنة عمي -يعني زبيدة- فلا أريد شيئًا ( [7] ) .
فقال مستشاره يحيى بن خالد: وأين هذا من الخلافة؟.
فاقتنع الرشيد برأي يحيى، وتمسك بحقه في الخلافة بعد الهادي.
هذا يبين لنا مدى الحب الذي يكنه الرشيد للرقة ودوحاتها، لقد جعلها في كفةٍ تعادل كفة الخلافة وما تحويه من أمصار.