علمًا بأن ولاية العهد الأولى أُخِذَت للأمين سنة 175هـ/ 791م وخاف الرشيد من صراعٍ بين الأخوين فالأمين أمه زبيدة العربية ووراءه يقف الحزب العربي، والمأمون أمه مراجل الفارسية ووراءه يقف الحزب الفارسي، فلجأ إلى عهودٍ بين الأخوين وشهرها عند الكعبة حين حج سنة 188هـ- 804م وكلّف ولده القاسم مع عبد الملك بن صالح بحماية الثغور، وبعد انتهاء الحج شخصَ إلى خراسان بجيشٍ كبير، ولم يدخل بغداد، وأثناء ذلك أخذ البيعة للقاسم المؤتمن بعد المأمون، وأعطى الخيار للمأمون عند تولّيه الخلافة إن شاء أقرّه، وإن شاء خلعه وولاه الجزيرة والثغور والعواصم لعله يبعد التباغض الذي ظهرت بوادره بين الأخوة، وبعد أن كتب إليه عبد الملك بن صالح الذي يمثل فئة كبيرة تحركت داخل البلاط لتجعل للقاسم نصيبًا في الملك:
يا أيها الملك الذي
اعقدْ لقاسم بيعة ... واقدحْ له في الملك زندا
الله فرد واحد ... فاجعلْ ولاة العهد فردا
وبهذا توزعت ولاية العهد بين مشاهير أولاده، فقيل في ذلك: ... بنا أمينًا ومأمونًا ومؤتمنًا
وقلّد الأرض هارون لرأفته
ومع هذا، فقد عاش الرشيد جوًا قلقًا لا يستكين إلى قرار، أحس بخطأٍ كبيرٍ وفات الأوان، وصار الخرق أكبر من قدرة الراقع، وقفل راجعًا من خراسان إلى الرقة، ورأى جزءًا من جثة جعفر البرمكي على جسر بغداد، فأمر بجمع بقية الأجزاء وحرقها ( [31] ) ورفض الاستراحة في بغداد رغم سفره المرهق الذي دام عامًا، ورغم توسلات الأمين والحاشية، وقيل إنه قال: (والله إني لأطوي مدينة ما وُصِفت بشرقٍ ولا بغربٍ، مدينة لا أيمن ولا أيسر منها، وإنها لوطن آبائي ودار مملكة بني العباس ما بقوا، وحافظوا عليها، ولِنعْمَ الدار هي، ولكن أريد المناخ على ناحية الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى والحب لشجرة اللعنة بني أمية مع ما فيها من المارقة والمتلصصة، ولولا ذلك ما فارقت بغداد) ( [32] ) . ... إلى بساتين النقار
ووصل الرقة في أواخر سنة 189هـ-805م.