فهرس الكتاب

الصفحة 18212 من 23694

فاللهج باسم نجد إذن محاولة ذات محرك نفسي، لإشعار المغترب بأنه غير مبتور الأسباب من وطنه وأن صلاته باقية على الرغم من البعد.

التعلُّق بهواءِ نجد:

أغلب الذين عبروا عن توقهم إلى بلاد نجد أثناء غربتهم ذكروا رياح الصبا بمحبة غامرة، وإعجاب شديد ببرودتها المنعشة، التي تجدد النشاط، وتبسط النفس، ومما يروى أن امرأة نجدية تزوجت تهاميًا، ولما خرج بها الرجل إلى تهامة شعرت بحرها، فقالت:"ما فعلت ريح كانت تأتينا ونحن بنجد يقال لها: الصبا؟ قال:"يحبسها عنك هذان الجبلان". فأنشدت:"

أَياَ جَبَلَيْ نعمانَ بالله خَلِّيا

أَجِدْ بردَها أو تَشْفِ مني حرارةً ... على كَبَدٍ لم يبقَ إلا صميمُها

فإن الصَّبا ريحٌ إذا ما تَنَسَّمتْ ... على نفس مهمومٍ تَجَلَّتْ همومُها (9) .

فريح الصبا في نظر هذه المرأة، أشبه بدواء يبرئ النفس من همومها وأحزانها، إلى جانب دوره المنعش أيام الصيف. ... تَعَرَّفت من نجدٍ وساكِنهِ نشرا

ولريح الصبا النجدية نفحة يميزها النجدي عما سواها، فتفعل فعلها الساحر في نفسه، متذكرًا فيها الربع وساكنيه، وما يتعلق بهما من أمور لا تحصى:

إذا دَرَجَتْ ريحُ الصبا وتنسَّمتْ

فقرَّفَ قُرْحَ القلبِ بعد اندماله ... وهيَّجَ دمعًا لا جمودًا ولا نزرا (10) .

وتأهب الدموع في عيون المغترب ـ كما يصرح الشطر الثاني من البيت الأخير ـ دليل على توهج روح النجدي، وسرعة استجابته لأي مثير يذكره بموطنه، أينما كان، ويتذكر معه عبق الهواء في نجد بشذا زهوره، وعبق نبته الطري: ... بريح الخُزامى هل تهبُّ على نجدِ؟

وعن عُلُوِِيّاتِ الرياحِ إذا جرتْ

وعن أقحوان الرمل ماهو فاعلٌ ... إذا هو أسرى ليلَةً بثرىً جَعْدِ؟

ومع عبق الخزامى والأقحوان هناك عبق العرار الذي غدا سمة من سمات نجد: ... فما بعدَ العشيةِ من عرارِ

تمتَّعْ من شميمِ عرارِ نجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت