وتبدو الصبا في كثير من الأحيان أشبه برسول يحمل معه أخبار الوطن/نجد ومن فيه، وتلويحات الأحبة، وعواطفهم، وصورهم النابضة بالحياة، وشيئًا من طلباتهم ورغباتهم: ... ضمائرَ حاجٍ لا أطيقُ لها ذكْرا؟
هل الريحُ أو برقُ الغمامةِ مخبرٌ
ولهذا ترى النجدي يخاطب الصبا مستفسرًا منها عن زمن مجيئها من نجد ليستشف منها آخر أخبار أحبته، وموطنه، وكأنها رسول إليه حقًا: ... لقد زادني مسراكِ وجدًا على وجدِ
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد
و لشدة تأثر النجدي بالصبا شمل بعواطفه كل ريح يهب عليه نسيمها، وخاصة إذا كانت قادمة من نجد، أو من إحدى بقاعه، وربما يسهم البرق في تحديد الجهة، فيتظافر البرق مع الرياح في تأجيج العواطف: ... ومن عَلْوَى الرياحُ لها هبوبُ
أشاقتكَ البوارقُ والجنوبُ
أتتكَ بنفحة من ريح نجد ... تَضَوَّعُ، والعرار بها مشوبُ
حتى الرياح الهوج العاتية يجدها المغترب حبيبة إلى القلب، تهيج عواطفه، وتذكره بنفحات نجد، حتى وإن كان قد غادر بإرادته، كما يقول الحسين بن مطير: ... هوجُ الرياحِ وأذكرتْ نجدا
بكرت عليَّ فهيَّجْتْ وَجدا
أتحن من شوقٍ إذا ذُكِرَتْ ... نجدٌ، وأنتَ تركتَها عَمدا؟ (11) .
إذا لابد من الحنين، وتهيج الأشجان كلما هبت الصبا، أو أي ريح، سواء أترك النجدي موطنه رغمًا عنه أو بإرادته. ... وكَبَّرَ للرحمنِ حين رآني
أنسنةُ الأمكنة:
ومن ملامح تعلق النجديين ببلادهم إضفاؤهم الملمح الإنساني على كثير من الأمكنة، وغيرها من الأشياء ومخاطبتها مخاطبة الإنسان للإنسان، وبثها ما يجول في النفس من أفكار، وهموم. ومن الأمثلة البارزة على ذلك أبيات قيس بن الملوح التي يحادث فيها جبل التوباذ كما يحادث الصديق صديقه الحميم، فيقول:
وأجهشتُ للتوباذِ حين رأيتُهُ
فأذريتُ دمعَ العينِ لما رأيتُهُ ... ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلتُ له: أين الذين عهدتُهم ... حواليك في أمن وخَفضِ زمانِ؟
فقال: مضوا واستودعوني بلادَهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحَدَثانِ؟