فهرس الكتاب

الصفحة 18214 من 23694

وإني لأبكي اليومَ من حذري غدًا ... فراقَكَ، والحَيانِ مُجتمعانِ

سِجالًا، وتَهتانًا، وَوَبْلًا، ودِيمةً ... وسَحًَّا، وتَسْكَابًا، وتَنْهملانِ (12) .

فجبل التوباذ هنا يُكبِّرُ فرحًا لرؤية قيس، ويناديه بأعلى صوته ليبثه ما لديه من أخبار، وحين يسأله قيس عن ساكني تلك الربوع يجيب التوباذ بأنهم قد رحلوا إلى أمكنة أخرى واستودعوه بلادهم، ثم يبوح التوباذ بحزنه خوفًا من أن يفارق صاحبه قيسًا في الأيام المقبلة. ... لطول الليالي هل تغيرتا بَعدي؟

وبذلك لم يعد المكان، في نظر هؤلاء النجديين، مجرد مكان محايد، بل أصبح صديقًا حميمًا يتمتع بصفات الإنسان، فيفرح، ويحزن، ويتحدث عن أفكاره، ويبوح بمشاعره، ولا يحدث هذا بمثل هذه الصورة الحميمة إلا نتيجة محبة عميقة، وألفة طويلة، وانسجام بين الإنسان وبين المكان يبلغ درجة الاتحاد، تجعل كل من يغترب مشدودًا إلى موطنه الذي يشكِّلُ المكمِّلَ لشخصيته.

التوجُّدُ على نجد:

حين يشتعل صدر النجدي بالحنين إلى موطنه ولا تسعفه الظروف بتكحيل عينيه برؤيته يبدأ بالتوجد على ربوع نجد وهوائها، ومافيها من منازل، وجبال، ومطارح متنوعة، وما تضم من نبات، وكائنات، وما يسكنها من أحبة، وهذا قيس بن الملوح، يتوجد على الأمكنة، وهواء البلاد، والناس الذين عاشرهم.... يقول:

ألا ليتَ شِعري عن عوارضتَيْ قنًا

وهل جارتانا بالبتيل إلى الحِمى ... على عهدِنا أم لم تدوما على العهدِ؟

وعن عُلُوِيّاتِ الرياحِ إذا جَرَتْ ... بريحِ الخُزامى هل تهبُّ على نجدِ؟

وعن أقحوان الرمل ماهو فاعلٌ ... إذا هو أسرى ليلةً بثرىً جَعْدِ؟

وهل أنفضنَّ الدهرَ أفنانَ لِمَّتي ... على لاحق المتنينِ مندلقِ الوَخْدِ؟

وهل أسمعنَّ الدهرَ أصواتَ هَجْمةٍ ... تحدَّرُ من نشْزٍ خصيبٍ إلى وهدِ؟ (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت