فهرس الكتاب

الصفحة 18248 من 23694

ويبقى الموت مهرب طرفة من اختلال معادلة الوجود وحلم خلاصه الفردي، ثم لا يعنيه أن يخسر الإحساس بمأساوية الموت في زاوية ضيقة لا تتجاوز استثارة مشاعر هؤلاء الذين يتوقع أن يذرفوا دمعة أسى لفراقه: ... وشقّي عليَّ الجيب يا ابنةَ معبدِ

فإن مِتُّ فانعيني بما أنا أهلُهُ

ولا تجعليني كامرئٍ ليس همُّهُ ... كهمِّي ولا يُغني غنائي ومشهدي

بطيءٍ عن الجلّى سريعٍ إلى الخنا ... ذلولٍ بإجماع الرجالِ ملهَّدِ

فلو كنتُ وغلًا في الرجالِ لضرّني ... عداوةُ ذي الأصحابِ والمتوحدِ

ولكن نفى عني الرجالَ جراءتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي ( [43] )

حسب الموت إذن أن يبعث في ذاكرة من أحب سمات تفرده ليكون أحب إليه من حياة لم تمنحه ما يستحق، ولنا أن نسأل: ألا سيتدعي النظر أن يستكثر شاعر في العشرين- أو دونها- من استحضار صورة الموت بهذه الكثافة في شعره؟ إنها ظاهرة لافتة للنظر فعلًا ولكن لنا أن نتذكر أن الموت كان رمز الاغتراب الذي حين أدرك طرفة أنه قد يبدو بعيدًا عن متناوله الآني راح يؤكد حتميته بقناعة التشبث بالحلم البعيد: ... هضبٍ تقصِّرُ دونه العصمُ

ولئن بنيتُ إلى المشقّر في

لتنبئَنْ عني المنية إن ... الله ليس كحكمهِ حُكْمُ ( [44] )

ولا ينبغي أن يغلب على الظن أن طرفة حين كان يعالج صورة حتمية الموت كان يتحدث عن شبح رهيب قادم كما هو الشأن في أكثر المعالجات الجاهلية المماثلة، إنه كان يتحدث عن حبيب قريب إلى النفس سينتشله من واقع انتماء ظالم إلى عالم لا ظلم فيه أو لا إحساس فيه بظلم: ... به حين يأتي لا كذابٌ ولا عِلَل ( [45] )

إذا جاء ما لا بدَّ منهُ فمرحبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت