فهرس الكتاب

الصفحة 18398 من 23694

ولعلّ القضية مع الزمن تبدأ تاريخيًا - قبل - العصر الجاهلي ورواية أدبه؛ منذ وجود الجنس العربي على الأقل، الذي شهد تماهيًا مع الزمن في الرقم والنقوش والشرائع كشريعة حمورابي.. ثم الشعر الذي تناقلته الذاكرة الفردية والجماعية على مدى الدهر حتى أسلمته إلى مرحلة التدوين. أي لمّا غَدت الأشكال الشفاهية للتراث القديم أشكالًا زمانية؛ علاماتها الصوت الذي طفقت موجاته الأثيرية تَعْبر حدود الزمان والمكان والمجتمع إلى الأجيال اللاحقة المتعاقبة في الزمن التاريخي المؤقت جاءت الكتابة لتحقق له صفة الزمن المطلق في الخلود.. فالرواية كانت تمثل الزمن المؤقت في الماضي؛ لأنها مرهونة بأفواه آخر من يتلقى النص؛ وربما مات وماتت معه زمانية الرواية فذهب النص ومات هو الآخر مع صاحبه؛ وهذا ما أثبته ابن سلام من قبل (3) ؛ وكأن الزمن الأخير زمن التاريخ الوحيد والمجهول.. أما الكتابة فقد اختزلت الموت والحياة، وكل شيء في الوجود وطبعت الشعر بطابع الديمومة والثبات؛ وكأنها أضحت على مستوى واحد ومماثل للزمن المطلق.. ولا شيء أدل على هذا من النقوش التي عثر عليها هنا وهناك ومنها نقش النمارة الذي خلد صاحبه بينما ماتت أسماء أخرى؛ فضلًا عن الأبنية والقصور والقبور (4) ..

ولهذا كله فإن فلسفة التدوين والتوثيق؛ وشيوع ظاهرة الكتابة والتأليف عند العرب في القرن الثاني الهجري التي سبقتها الرُّقُم والنقوش قديمًا، تجسد حقيقةً فلسفة الزمن المطلق. فالمؤلفات نقلت التراث - ومنه الشعر - من حالة الضياع والتشتت في الزمن الميقاتي المؤقت إلى حالة الوجود والثبات والديمومة والتوحد؛ فخلد حيًّا أبد الدهر وانتصر على الفناء والتناهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت