فهرس الكتاب
ولعل هذا يعني أن الزمن النفسي العاطفي المعرفي والوجودي هو الذي فرض على العرب القدماء حالة الخوف على التراث من الزمن المؤقت الذي ينتهي بنهاية تراثهم؛ مما جعلهم ينقلونه إلى زمن الثبات والديمومة.. حين قيدوه بصحفهم ووضعوه بين يدي البشرية.. ومن ثم كانت مدوناتهم سبيلًا آخر ليس لمعرفة التراث وحده وإنما لإدراك أطوار النضج الحضاري الذي وصلوا إليه؛ بإدراكهم لفلسفة الزمان وأثره في دورة المعرفة والحياة.
فنظرية الزمان لديهم استمدت أصالتها وصدقها وقوتها من ارتباطها العظيم بأغوار التراث، وما يتضمنه من قيم روحية ومادية ومعنوية معرفية..
ولهذا فكل دارس للتراث العربي وعصره وبيئته يدرك بجلاء أنه كان - ولا يزال - مصدرًا ثرًّا لكثير من القضايا الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية والتربوية.. والأدبية والنقدية واللغوية والجمالية والفنية.. ويعد الشعر - ديوان العرب - أبرز أنماطه الزمانية التي تحدَّتْ فكرة الفناء والموت.
وإذا كانت المقولات والدراسات قد كثرت عنه في القرنين الماضيين فإن القدماء ركزوا عنايتهم فيه قبل غيره؛ وكانت لهم حوله نظرات عديدة، منها ما يرتبط بالزمان.. ولا يزال هذا التراث يختزن أشياء كثيرة، تحدونا إلى التفكير فيه.. ولهذا خصصنا هذا القسم لمفهوم الزمن في الدراسات العربية القديمة بعد صدر الإسلام. فإذا كانت فكرة الزمان قد شغلت الإنسان القديم عامة والجاهلي خاصة؛ فإنها كانت مدار اهتمام النقّاد والأدباء والدارسين القدماء من العرب؛ وذكروها على غير وجه؛ وربما خصصوها بدراسات لا يشركها فيها فكرة أخرى. وقد كانت هذه الدراسات بمنزلة المقدمة الطبيعية لدراسات الحديثة؛ في الوقت الذي أثبتت أسبقية العرب في التأليف حول فكرة الزمان.
وهذه الدراسات وتلك أُسست لما نحن مقبلون عليه؛ أما مفهوم الزمان وفلسفته في القرآن الكريم أو الحديث الشريف فهو يحتاج إلى دراسات خاصة.