فهرس الكتاب
لهذا كله سنترك ما يتعلق بفكرة الزمان فيهما - وإن أشرنا إلى ما قاله بعض القدماء والمحدثين في بعض اتجاهاتها في العديد من الآيات والأحاديث - لنتوقف عند الآراء والدراسات التي تناولتها أكثر دراساتهم؛ إذ إنه من المتعذر على المرء أن يحيط بها مجتمعةً، ويبين أشكالها وما قيل فيها.
ويبدو لنا أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) كان سباقًا إلى مفهوم الزمن النفسي والاجتماعي والمعرفي.. فتجاوز فيه ما نعرفه عن مفهوم الزمن الفيزيائي.. حين قرن الزمان بالناس، وأحوالهم في الحياة الدنيا. فكان بهذا في طليعة المبدعين المنظرين للزمن بصفته الاجتماعية. ومن ذلك قوله:"أيها الناس!! إنا قد أصبحنا في دَهْرٍ عنود؛ وَزَمنٍ كنود؛ يُعَدُّ فيه المحسن مسيئًا؛ ويزداد فيه الظالم عتوًا؛ لا ننتفع بما علمنا، ولا نَسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحِلَّ بنا" (5) .
فالإمام كرَّم الله وجهه) يشير إلى الزمن الجائر؛ فهو جائر لكفر الناس بالإيمان الصحيح.. وخروجهم عن العدل بغلبة الضلالة واستيلاء الباطل على العقول..
ولما ساد الجهل غدا المسيء محسنًا؛ إذ غلب على أهل الزمان الرذيلة والفسق؛ وقد خرجت أعمالهم بمقتضى طباعهم، وظهر القبيح كأنه فعل حسن.. ولهذا نسبوا المحسن إلى الإساءة حسدًا وطمعًا،.. فازداد الظالم ظلمًا، وتجبرًا.
فلو كان هذا الزمان زمان عدل لما وصل الجور إلى ما وصل إليه وفق داعي الطباع النفسية الأَمَّارة بالسوء، لقوله تعالى: لقد استكبروا في أنفسهم وعَتَوْا عتوًّا كبيرًا [الفرقان 25/21] .