فهرس الكتاب

الصفحة 18401 من 23694

ومن ثم توجه إلى أهل العلم؛ باعتبار تقصيرهم.. فلم ينتفعوا بما يعرفونه من الحق والعدل والمعرفة.. وذلك يقف مع العمل به موقف الجسد من الروح يتكاملان ولا ينفصلان.. أما أهل الجهل فإنهم ركنوا إلى جهلهم؛ فلم يسألوا عن ألوان المعرفة والحق والعدل، لأنهم قتلوا الرغبة في ذلك. فقد ألهاهم زمن اللذات الحسية الحاضرة الممتدة؛ وكأنهم رضوا بما كان عليه أجدادهم القدماء الذين ضَلّوا عن سواء السبيل.. فمن انشغل بزمن اللذات ومصالح الدنيا خرج عن نظام العدل، ودخل في جور الزمان وما فيه من الضَّلالات والجهالات.. مما يجعلهم لقمة سائغة للوقوع في شر أعمالهم؛ كما تدل عليه عبارته"ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا". فعدم المبالاة والتدبر يؤدي إلى شر العواقب في آخر الزمان؛ زمان الجور.

ويركز الإمام رضي الله عنه) على مفهوم الزمان الاجتماعي الذي خرج عن حده الفيزيائي والميقاتي؛ ومن ثم أصبح زمنًا نفسيًا مَعرفيًا يرتبط مرة بالأزل الدنيا) ومرةً أخرى بالأبد

الآخرة) (6) كقوله: [أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباعُ الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخر. ألا وإن الدنيا قد ولَّت حَذَّاءَ؛ فلم يبق منها إلاَّ صُبَابة.. ألا وإن الآخرة قد أقبلت ولكل منهما بنون] (7) .

ويظهر لي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه) قد حرص على بيان فكرة جور أهل الزمان وغلبة الفساد على أهله وعدم النجاة فيه إلا لمن كان من أهل الإيمان.

فالإنسان يتعلق نفسيًا بحدوث أمر ما في المستقبل، ويتوقع فيه الخير لا الشر في أموره الدنيوية والدينية باستدعاء مهلة الأجل وطول الأمل.. وهذا يستلزم الإعراض عن الحق لأنه يؤجل التوبة والعودة إلى الله، وهذا قمة الظلم والجور على النفس.. كما أنه مصداق لقوله تعالى في الكافرين:

ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهِهمُ الأملُ فسوف يَعْلمون الحجر 15/3).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت