فهرس الكتاب
أما مفهوم الزمن في كتب النقد والأدب والتراجم (64) فقد جمع بين الزمن المعرفي الاجتماعي والميقاتي من جهة وبين الزمن النفسي الذي سيطر على أذهان المؤلفين من جهة أخرى.. وأيًَّا ما يكن موقفهم من الزمن وطريقة الإفادة منه في مؤلفاتهم فقد أعلنوا للبشرية كلها أنهم كانوا السباقين إلى التأليف في هذا الميدان.
ويعد محمد بن سلام الجمحي 139-231هـ/ 754-854م) أول من فتح باب الكلام على فكرة الزمن وقيمتها الفنية والنقدية؛ في كتابه طبقات فحول الشعراء). فوضع مقدمة له عالجت فيما عالجته قديم الشعر والشعراء؛ ثم وضع مقياس تقدم الشاعر الزماني التاريخي واحدًا من مقاييسه في تصنيفه لطبقات الشعراء؛ وفي تقديم شاعر على شاعر في طبقته أحيانًا.. إذا اجتمعت في شعر الشاعر الجودة والكثرة في عدد القصائد الجياد.. شرط صحة نسبتها إليه.
ولذلك كله أسقط شعر عاد وثمود، لطول الدهر والأمد البعيد بينهم وبين اللسان العربي (65) ثم تحدث عن أولية الشعر عند العرب في الجاهلية، وصحح بضعة منه للعَنْبر بن عمرو، وسعد ومالك ابني زيد مَنَاة، ودُوَيد بن زيد، وأَعْصُر بن سعد؛ والمستوغر بن ربيعة وزهير بن جَنَاب الكلبي، وقبلهم كان جَذيمة الأبرش.. ثم بيَّن ريادة المهلهل بن ربيعة التغلبي في تقصيد القصائد (66) .
ومن بعدُ؛ وضع الجاهليين في عشر طبقات؛ وأدخل فيهم بعض المخضرمين؛ تبعًا لمنهج تكامل المقاييس، ثم وضع الإسلاميين في طبقات عشر أُخر، وأدخل فيهم أيضاَ بعض المخضرمين.. طبقًا لمنهجه، ليصبح الزمن مفهومًا نقديًا معرفيًا، فضلًا مفهومه التاريخي. وقد يكون المقياس
الزماني مختلًا في بعض الأحيان.. فعلى سبيل المثال رأينا أوس بن حجر في الطبقة الثانية من الجاهليين، على الرغم من سبقه التاريخي للنابغة وزهير والأعشى وكلهم في الطبقة الأولى بعد امرئ القيس.. (67) بيد أن هذا لم يلغ الفكرة النقدية للزمن التاريخي؛ بل عززها بالزمن المعرفي.