فهرس الكتاب

الصفحة 18426 من 23694

ولذلك يمكن أن يكون الشعر القديم قد حفل بموضوعات صوفية تنطوي على جوانب دينية زهدية.. ولكنه لا يتركز حول فكرة الذات الزمانية المتحررة من كل قيد في الزمان الموضوعي والوجودي، وفي الزمان الطبيعي/ المكان.. فالزمن الصوفي يغدو شعورًا يصدر عن تحقيق الذات في الزمن المطلق اللانهائي.

ومن هنا تصبح الرموز الصوفية في أشكالها وأنواعها دلالات معنوية للزمن المطلق

المجسّد للذات الإلهية؛ لأن الصوفي"يتكلم من حيث وقتُه، ويجيب من حيث حالُه، ويشير من حيث وَجْدُه" (62) . ولهذا يتداخل الزمن المطلق للصوفي بالزمن النفسي باعتباره شعورًا ذاتيًا بالزمن الموضوعي على هيئات عاطفية حسية.

فالزمن المطلق في المفهوم الصوفي قد يماثل الزمن المثالي في الفكر اليوناني؛ ولكنه يتجه فيه اتجاهًا آخر مرتبطًا بالحركة الدائمة المتعاقبة التي لا تهدأ. وهذا ما يمكننا أن نستمده من تصوّر سَهْل بن عبد الله التُّسْتَري ت283هـ) حين سعى إلى تحطيم سكون الزمان وتوقفه في حالة الغيبة المؤقتة التي يجسدها نوم الإنسان، مما جعله يقول:"مولاي لا ينام، وأنا لا أنام" (63) .

تلك صورة واحدة من مفهوم الزمن عند المتصوفة؛ إذ حفلت دراساتهم الكثيرة بنمط متفرد من الرؤية الزمانية تدعو الباحثين إلى تأملها مليًا.. ولعل الأيام تسعفنا بدراستها لننتقل - هنا - إلى إشارة أخيرة للكتب النقدية والأدبية.

وليس هناك شك في أن تصور الزمن أو الدهر في مؤلفات المؤرخين والفلاسفة واللغويين والمفسرين.. قد ارتبط بتصورات عقلية تاريخية أو دينية..

وبمعنى آخر فإن مفهوم الدهر/ الزمن صدر لديهم عن مفهوم تجريدي ذهني وميقاتي على شدة تأثره بما يعرف اليوم بالزمن المعرفي أو الثقافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت