فهرس الكتاب
وأيًَّا كان الأمر؛ فإننا نتبين أن الصفاتية أثبتت هي الأخرى فكرة الزمن الأزلي السرمدي الأبدي لله وصفاته معًا، وعبرت عن ذلك بمفهوم القدم الذي يملك كل شيء.. إنه مفهوم الزمن المطلق الثابت.. ثم دار حول هذا اختلاف مثير بين الصفاتية يمكن أن يكون مدار بحث خاص (59) .
أما المرجئة فقد قامت أصلًا على فكرة زمانية، وهي التأخير الزماني لأي فعل من أفعال العبد من الدنيا الزمن الأزلي) إلى الآخرة الزمن الأبدي) ثم إن الله تعالى الذي يجسد الزمن المطلق الأزلي السرمدي الأبدي) هو الذي يحكم على أعمال كل مخلوق.. وتعتمد المرجئة في هذا على قوله تعالى: أرجه وأخاه الأعراف 7/111 والشعراء 26/36)"أي أمهله وأخّره" (60) . فزمن الفعل التاريخي لشخص ما؛ أيًّا كان ميقاته الأزلي غدا مرتبطًا بالزمن الأبدي يتجه إليه بشكل مستقيم، وبه الجزاء.
وكل من يتحدث عن فكرة الزمن في الدراسات العربية القديمة لا يمكنه تجاهل التجربة الصوفية في هذا الشأن. وتعد ممارسة التجربة الذاتية والدينية والعرفانية عند المتصوفة تجربة نفسية زمانية؛ لأنها تسمو بالجسد إلى مستوىً نفسي متحرر من الزمن الوجودي والموضوعي والميقاتي والتاريخي لينساب في الزمن المطلق؛ إنه زمن الذات المتحررة من كل شيء حسي.. وإن اتكأت عليه.. ففكرة الزمن الصوفي إنما هي رحلة معاناة في المجاهدة والخلوة والذكر.. لكشف حجاب الحس والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب المشاعر والحس إدراك شيء منها.. إذا بقي مرتبطًا ببنية زمانية ومكانية محددة.. أما المتصوف فهو قادر على تجاوز تلك البنية ليتحد بصفة الزمن المطلق.. (61) باعتبار أحوال المتصوفة.