فهرس الكتاب
ولو دقق المرء في مفهوم الفَصل بين الحركة الزمانية باعتبار مضمونها الفيزيائي؛ وبين كونها دائمة ثابتة لأيقن أن المعتزلة قد أدركوا ذلك تمامًا في مفهوم القِدَم) الدال على الأَزلية؛ ومفهوم المحدث: المخلوق) الدال على الحركة المتغيرة.. فالقدم بالمفهوم الزمني يدل على الزمن المطلق؛ لأنه قائم بذاته، ولم ينشأ من العدم ولن ينتهي إلى العدم؛ بينما المُحْدَث ينتقل ويتغير، لأنه يبدأ بنقطة ما فإذا لم يرجع إليها قضي أمره؛ كما هو عليه خَلْق القرآن. فالمعتزلة يركزون على الزمن المطلق لينفوا الصفات عن الله، ويجعلونها للزمن المُحْدَث؛ بينما أثبت أكثر السلف الصفات لله؛ حتى"سمي السلف صفاتية، والمعتزلة مُعَطِّلة. فبالغ بعض السلف في إثبات الصِّفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات. واقتصر بعضهم على صفات دلَّت الأفعال عليها وما ورد به الخبر؛ فافترقوا فرقتين:"
-فمنهم من أوّله على وجه يحتمل اللفظ ذلك.
-ومنهم من توقف في التأويل" (57) ."
وبهذا كله كانت فكرة الصفاتية إلغاء الزمن المحدث من فكرة القدم) أي من الزمن الأزلي لأن الصفات في الله تعالى"أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال هي هو؛ ولا هي غيره؛ ولا: لا هو؛ ولا: لا غيره. والدليل على أنه متكلم بكلام قديم ومُريد بإرادة قديمة أنه قام الدليل على أنه - تعالى - ملك؛ والملك له من الأمر والنهي؛ فهو آمر ناهٍ؛ فلا يخلو إما أن يكون آمرًا بأمر قديم؛ أو بأمر محدث."
وإذا كان محدثًا فلا يخلو: إما أن يحدثه في ذاته، أو في مَحلّ، أو لا في محل.. فتعين أنه قديم؛ قائم به صفة له" (58) .."
وبهذا فالصفاتية من السلف يختلفون عن اليهود في مسألة التشبيه الصِّرْف؛ إذ لا يأخذ المسلمون الأوائل بالتفسير الظاهري للفظ.