فهرس الكتاب
فأصحاب الاعتزال يرون أن الله - سبحانه - وحده الذي يستحق صفة الأزلية والأبدية؛ فهو خالد بذاته؛ على حين أن كل ما يتعلق بمخلوقاته على ما هو عليه الآن معادنَ ونباتًا وحيوانًا وإنسانًا) غير خالد ولا أزلي؛ لأنه مخلوق يتغير ويتبدل، وينتقل من زمن أولي الدنيا) إلى زمن نهائي الآخرة) والدنيا والآخرة يجريان بأمر الله.. بحكم ما قرره لمخلوقاته.. لهذا فكل فعل للمخلوق حركة؛ والحركة مبدأ تغير وتبدل.. وانتقال؛ أما القِدم فهو مبدأ ثابت..
وفي ضوء هذا التصور للمفهوم الزمني نظروا إلى فكرة خَلْق القرآن؛ أي أن الله باعتباره قديمًا لا يشركه أحد في هذه الصفة؛ ثم"إن الله خلق القرآن في اللوح المحفوظ؛ ولا يجوز أن ينقل؛ إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة؛ وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ؛ وذلك فعلنا وخلقنا" (54) .
ولعل الحديث عن فكرة الزمان وفلسفتها في آراء المعتزلة وما أثر عنهم من مؤلفات تحتاج إلى دراسة مستفيضة؛ مما يدعونا إلى الاكتفاء بما أثبتناه والإشارة إلى نقطتين اثنتين:
الأولى: تعبر عن مدى تأثر الفكر المعتزلي بالفكر اليوناني وفلسفته؛ فالزمن المرتبط
بالحركة والتغير مفهوم أرسطي صرف؛ فهو لديه"متعلق بالحركات الجسمية الفعلية؛ أي متعلق بالصيرورة" (55) .
ولكن المعتزلة خاصة والعرب المسلمين عامة استطاعوا أن يخرجوا بنظرات دقيقة لم يعرفها أرسطو ولا غيره من اليونانيين، كما لاحظنا.. إذ غاصوا فيها بعيدًا؛ فانتهوا إلى مفهوم الزمن المطلق الذي ليست له هيئة ولا تحده حدود..
الثانية: عادت فكرة الزمن المرتبطة بالحركة للظهور من جديد في أوربا؛ وأصبح الزمان"يفسر على أنه بُعْد كلي أو بُعد أساسي، يمكن أن تقاس عليه الخصائص الفيزيائية الأخرى كالحركة - مثلًا - فانفصل الزمان عن مضمونه الفيزيائي" (56) ..