فهرس الكتاب
وهذا يعني أن العرب المسلمين بعد القرن الثاني الهجري قد أدركوا بوضوح ماهية الزمن الدائري، والزمن الخطي المستقيم على نحو ما؛ وإن كانت فكرة الزمن الخطي حديثة نسبيًا ظهرت في أوربا أواخر القرن السادس عشر؛ كما رأينا. فالزمن الخطي يبدأ بنقطة ويسير في خط مستقيم حتى النهاية.. فهو يسير باتجاه محدد. فقد يكون من المستقبل إلى الحاضر، أو الماضي، أو من الحاضر إلى الماضي ومن ثم يرجع، أو قد يبدأ بالماضي في سلسلة متكررة من الدورات والأحداث المتعاقبة..
وحين يتحرك سهم الزمن إلى المستقبل فإنه يقوم على مفهوم التنبؤ النابع من التصور الذهني، والحَدْس النفسي (52) مما يجعل الزمن يدخل في مفهوم التخيل، أو الزمن المتخيل.
وهنا لا بأس أن نشير إلى فكرة في عدد من آراء المذاهب الإسلامية؛ لأنها ذات قيمة كبرى في طبيعة الدورة الحضارية للأمم في فهمها للزمان؛ ولعلها تبين لنا مدى ما قدمه العرب المسلمون في مفهوم الزمن المطلق والزمن الخطي.. ويمكن أن نقبس آراء سريعة للمعتزلة والصفاتية والمرجئة.. للدلالة على ذلك.
فالمعتزلة يعتقدون"بأن الله تعالى قديم؛ والقدم أَخَص وصف ذاته؛ ونَفوا الصفات القديمة أَصلًا؛ فقالوا: هو عالم بذاته؛ قادر بذاته؛ حيٌّ بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعانٍ قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخصّ الوصف لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه مُحْدَث مخلوق؛ في محلّ. وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه" (53) .