فهرس الكتاب

الصفحة 18432 من 23694

وعلى الرغم من هذا المقياس الزماني الذي استخدمه المعري في رسالة الغفران) فإنه ما أدخل أحدًا من أشخاص رسالته في الجنة أو النار إلا بمشيئة الله.. فضلًا عن أعماله وأقواله التي قام بها في الزمان الأزلي الدنيا).

وفي ضوء ذلك كان الزمن لديه زمنًا مدروسًا ودقيقًا؛ ولم يكن نهبًا للفوضى أو نهبًا للمصادفات الزمانية التي يسندها بعض الباحثين إلى الكون أو الطبيعة.. وبمعنى آخر كان زمان رسالة الغفران) زمانًا ذهنيًا متخيلًا مبنيًا على افتراضات دينية وسلوكية لحاضر الشخصيات وتاريخها.. ولهذا أصبح الماضي تاريخًا حيًَّا في الزمن المستقبلي الافتراضي المتخيّل المدروس بعناية من قبله.. وهذا عينه ما يقوم عليه الزمن في القصة أو المسرحية في عالم اليوم.. مما يجعلنا نقول: إن أبا العلاء كان سبَّاقًا لمفهوم التنبؤ الزمني الاستقبالي الذي شهدته آداب الغرب وفلسفاتها..

وقد يقول قائل: إن الزمن لا رجعة فيه؛ ولا يمكن لأحداثه أن تعود كما هي..

ونقول: لا شكّ في أن الزمان ينساب إلى المطلق وإن انتهت حياة الأشخاص بالموت ولكن أحدنا قد يعيد بذاكرته؛ أو بشريط مسجل - كما يحدث اليوم - كثيرًا من أحداث الزمن الماضي.. ويعيد بناءها وفق زمن ذهني متخيّل.. وهذا ما فعله أبو العلاء وسبق إليه.. ونحن نتحرك في الزمن الماضي إذا استحضرنا أحداثه وذكرياته..

ومن هنا سافر أبو العلاء إلى الوراء وجلب من الماضي أحداث رسالته أو لنقل قصته أو مسرحيته، ومضى فيها إلى الأمام إلى المستقبل.. فكان عمله الفنيّ عملًا إبداعيًا لا نظير له.. إلا في قصة الإسراء والمعراج التي وردت في القرآن الكريم (76) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت