فهرس الكتاب
فعمله الفني ليس مجرّد خيال إبداعي قصصي أو مسرحي؛ ولكنه اختراق بديع لأنواع الزمان؛ ولأحداثه.. سافر في الزمن القديم ليسأل عن مدى تأثيره في الزمان الحاضر والمستقبل.. إنه وثبة ذاتية زمانية خيالية ذهنية مبدعة؛ تتجاوز الحركة الفيزيائية والتاريخية للزمن.. وهذه الوثبة الزمانية التي دلَّت على وعي أبي العلاء للعالم اللامتناهي قدَّمت مستوى أعلى من الكتابة في مفهوم الزمن..
ولا شيء أدل على ذلك كله من إدخال أبي العلاء النابغتين في الجنة وقدر رجعا شابين يسيران معًا ويتحادثان"كلُّ واحد منهما على باب قصرٍ من درّ، قد أعفي من البؤس والضُّر."
فيسلم عليهما ويقول: من أنتما - رحمكما الله؛ وقد فعل -؟ فيقولان: نحن النابغتان: نابغة بني جَعْدة، ونابغة بني ذبيان. فيقول - ثبت الله وطأته: أما نابغة بني جعدة فقد استوجب ما هو فيه بالحنيفية؛ وأما أنت يا أبا أُمامة: فما أدري ما هيّانك - أي جَهتُك - فيقول الذبياني: إني كنت مقرًا بالله، وحججت البيت في الجاهلية". ثم أنشد له أبياتًا من داليّته المعلقة تثبت قوله، ثم قال على لسانه:"ولم أدرك النبي ) فتقوم الحجة عليَّ بخلافه. وإن الله تقدَّست أسماؤه - عز ملكًا وجلَّ - يغفر ما عظم بما قَلَّ" (77) ."
فالزمن الأثيري الذي ذهب إليه هو زمن الأبديّة المبني على الزمن الذهني المعرفي المتخيل عند أبي العلاء المعري.. وهو تصور يختلف عن تصور الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب 163-255هـ/ 780-869) (78) للزمن كما هو عليه في كتاب البخلاء).. إذ أصبح وجود الإنسان وجودًا تاريخيًا اجتماعيًا يعبر عن جملة من العادات والقيم التي يؤمن بها مجتمع من المجتمعات أو فردٍ ما.. ولا ريب في أن رؤية الجاحظ لم تكن رؤية سكونية للزمن الاجتماعي.. ولا سيّما حين أسرف في تصويره الساخر للبخل والبخلاء..