فهرس الكتاب
ونحن لن نتوقف عند إبداع الجاحظ في القصة ونسجها نسجًا فنيًا شائقًا ومحكمًا على أحسن ما تكون الأقصوصة اليوم.. وإنما نشير إلى أن هذه الأقاصيص الواقعية قد امتلكت عناصر البنية القصصية كلها بما فيها عنصر الزمان.. فقد رجع إلى الوراء الماضي) وفق أسلوب السرد والتداعي قال، وكان.. وكان.. فكان..) ثم استعمل الأفعال التي تدل على المضي ليفيد ثبات الحدث ووقوعه في لحظة ما من الزمن التاريخي.. ليوم من أيَّام الغَزَّال البخيل.. ولكنه زمن مملوء بالإيحاءات النفسية والاجتماعية، والفنية المثيرة.. إنه زمن قصصي سبق به الجاحظ ما يزعمه الغرب اليوم من أسبقية في بناء الفن القصصي.. وما صدق. إنه زمن فني متدرج يقوم على ترتيب الحوادث التي توصل إلى الهدف منها؛ ويحمل مفارقة لطيفة ساخرة إن لم تكن بشعة من موقف البخيل والبخل.. وحين حاول أن يظهر هذا الهدف كان يقف عند الأشياء المادية التي تحقق له ذلك المكان بأبعاده الثلاثة، والسمك والملح والجُوافة والرغيف، والغزل..) ثم يصوّر بشكل مضحك كيفية قضم البخيل لطرف الجُوافة.. نتيجة غلبة الشهوة عليه، ولكن بخله يمنعه من أن يتجاوز ذلك.. فالأشياء التي تتخذ أشكالًا مكانية في زمن ما أصبحت تمثل نمطًا من القيم التي يؤمن بها هذا البخيل ولا يتزحزح عنها.. ومن ثم يغدو جزءًا من مجتمع ما تسود فيه جملة من السلوكيات.. ذلك هو فَهْم الجاحظ لكينونة الزمن الاجتماعي الواقعي.. وهو الذي أشار إلى انتصار الإنسان على التناهي والفناء بالآثار التي تركها، ومنها المعابد والنقوش.. وغير ذلك (81) .