نصل من ذلك كله إلى حقيقة لاشك في صحتها، وهي أن الشعر جوهر المعرفة الإنسانية وروحها اللطيف، وأن الشاعر هو صخرة الدفاع عن الطبيعة الإنسانية، يحمله معه أينما سار تعاطفًا وحبًا ( [1] ) . فكثير من النجاح الذي يحرزه إنما يتوقف على مهارته في إثارة ذكريات وشؤون في عقول جمهوره، وفي نفسه صورًا وأصداء ومشاعر، وأوضح ما يكون هذا في الأدب.
والقول إن الفن بصورة عامة والأدب منه خاصة، وثيق الصلة بالحياة، مُسلَّمةٌ تقدمها لنا صلتنا بالواقع على سبيل المشاهدة، فكل الظواهر تدل على وجود صلة حية ومتفاعلة بين الفن والحياة، سواء أكنا نعني بالحياة جانبها السياسي أو الاقتصادي أو العقلي، أو جانبها الاجتماعي الذي يعدها أهم الجوانب وأكثرها بروزًا وظهورًا وتأثيرًا، نظرًا لكون الحياة الاجتماعية بمظاهرها المتعددة أهم رافد للشعر من موروثنا الأدبي، وبصورة خاصة في العصر العباسي الذي درج أكثر الباحثين على تسميته بالعصر الذهبي، لأنه عصر العلم والمعرفة والحضارة، وعصر الفتن والانقلابات السياسية والثورات الفكرية والثقافية والأممية، وباختصار عصر الصراع بين القديم والحداثة.