فهرس الكتاب
لقد كان الاتّجاه السّائد في تلك الفترة، ومنذ عهود الفلسفة اليونانيّة، ذاهبًا إلى أنّ الفنّ لا يعدو أن يكون محاكاةً لمختلف ظواهر الطّبيعة ومجالاتها، وإن تباينت الآراء في الحكم على جماليّة هذه المحاكاة بين ماضٍ في أنّها"نسخٌ مشوّهةٌ عن الطّبيعة" (36) ومؤكّدٍ إمكانيّة مضاهاتها الطّبيعة جماليًّا (37) . ولقد اتّفق التّوحيديّ مع هذا الاتجاه السّائد الذي يؤكّد أنّ الفنّ ليس إلاّ محاكاةً للطّبيعة، وهذه المحاكاة قاصرةٌ عن اللّحاق بالأصل؛ لتباين الصّانع وتفاوت القدرات التي أوتيت للإنسان من صنعه وصانع الطّبيعة، ويؤكّد رأيه في ذلك بقوله:"وأبين ما سمعته في هذا الحديث أنّ الطّبيعة فوق الصّناعة، وأنّ الصّناعة دون الطّبيعة، وأنّ الصّناعة تتشبّه بالطّبيعة ولا تكمل، والطّبيعة لا تتشبّه بالصّناعة وتكمل، وأن الطّبيعة قوّةٌ إلهيّةٌ ساريةٌ في الأشياء واصلةٌ إليها، عاملةٌ بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة" (38) . ولمثل هذا كان"نموذج الفنّ الجميل عند كانتْ -Kant هو الجميل الطّبيعيّ لا الجميل الذي يصنعه الفنّ" (39) . بينما ذهب بنديتو كروتشه -B.Croce إلى أنّ"الطّبيعة خرساءٌ، والفنّان هو الذي ينطقها، وليس الفنّ في نقل الطّبيعة ومحاكاتها كما هي" (40) .