فهرس الكتاب
ولما كان أبو حيان غير ميّال إلى قبول إمكان مضاهاة الفنّ للطّبيعة فقد استنكر على أبي عليٍّ مسكويه زعمه"أنّ الأمر حقٌّ وصحيحٌ، وأنّ الطّبيعة لا تمنع من إعطائه -ذلك أنّ- الصّناعة شاقّةٌ، والطّريق إلى إصابة المقدار عسرةٌ، وجمع الأسرار صعبٌ وبعيدٌ، ولكنّه غير ممتنع" (41) -على ما يرى مسكويه. ويردُّ أبو حيّان على هذا الزّعم؛ زعم إمكان تفوّق الفنّ على الطّبيعة -بتبيان"أنّ الصّناعة بشريّةٌ مستخرجةٌ من الطّبيعة التي هي إلهيّةٌ ولا سبيل لقوّةٍ بشريّةٍ أن تنال قوّةً إلهيّةً بالمساواة. -ولذلك لم يجز أن تكون الصّناعة مساويةً لها، ولكن إذا كان الأمر -بالتّشبيه والتّقريب والتّلبيس، فيمكن أن يكون بالصّناعة شيءٌ كأنّه ذهبٌ أو فضّةٌ، وليس (42) هو في الحقيقة، لا ذهبٌ ولا فضّةٌ" (43) . ليتقارب بذلك، إلى حدٍّ كبيرٍ، مع ما ذهب إليه ريمون باير- Raymond Bayer بقوله:"ليست حقيقة العمل الفنّي سوى كونه أداةً فعّالةً تقتادنا إلى الواقع عن طريق بعض المقولات الوجدانيّة" (44) .
المعايشة الجمالية
ونتساءل الآن: ما الذي كان يقصده التّوحيديّ من احتضان الصّدور للأثر الفنّيّ واختلاس الآذان له؟ ولماذا يصرُّ مفكّرنا على أنّ الفنّ الحقيقيّ هو"ما أدّى المعنى إلى القلب في حسن صورة اللّفظ" (45) ؟.