فهرس الكتاب
وخلاصة القول: أن للفظة الكرْم) دلالتين: دلالة لغوية تتمثل في العنب وشجره، والخمرة المتخذة من العنب. ودلالة شرعية تتمثل في التوجيه النبوي الكريم بترك استخدام لفظة الكرْم)، والاستبدال بها لفظتي العنب والحبَلة)، وذلك تحاشيًا لتسمية شجر العنب كرْمًا؛ حتى لا تألفها الأنفس، وتستسيغ ذكرها الأفواه. ومن هنا جاء توظيف دلالتها في الرجل المسلم وقلب المؤمن. وهذا التوجيه يشير إلى أن الرسول- - قد وضع البذور الأولى للغة الفقهاء، عندما كان ينقل بعض الألفاظ العربية من معانيها اللغوية المألوفة، إلى معانٍ ودلالات شرعية، تقوم في معظمها على المجاز، إذ يصح القول: بأن العنب والكرْم من قبيل المجاز المرسل الذي علاقته السببية، إذ وجود العنب سبب في الكرَم. وهذه العلاقة المجازية قد أشار إليها السيوطي نقلًا عن ابن برهان حيث قال:"والأول- أي نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع- هو الصحيح، وهو أن رسول الله- - نقلها من اللغة إلى الشرع، ولا تخرج بهذا النقل عن أحد قسمي كلام العرب وهو المجاز"192). ومعنى ذلك أن النهي الوارد في الحديث السابق لا يعني حقيقة النهي عن تسمية العنب كرْمًا، وإنما المراد تغليب لفظه على المؤمن، أو المسلم؛ حتى لا يُشارك فيما سماه الله به193)؛ لأن الأصل في الكرْم: الكرَم بفتح الراء، وكل شيء كثُر فقد كرُم، يقال: قوم كرَم أي كرام194). وبهذا يتحقق المجاز المرسل بين الكرْم والكرَم والعنب، إذ كل واحد منهم موصل للآخر. وبهذا يتحقق نقل المعنى في الحديث الشريف من الكرْم بمعنى العنب، إلى الكرْم بمعنى قلب المؤمن، أو الرجل المسلم عن طريق المجاز المرسل من طرائق نقل المعنى195)، التي أكسبت لفظة الكرْم دلالة غلبت عليها خصوصية الدلالة على قلب المؤمن أو الرجل المسلم، وهذا من قبيل تخصيص العام، وهو المسمى عند اللغويين بتضييق المعنى196).