فهرس الكتاب
وخلاصة القول: أن في التوجيه النبوي ببناء الفعل أُنسّى) للمفعول نكتة لغوية، تتجلى معالمها في تناسب الحركات مع حروفها، إذ إن في تشديد حرف السين من أُنسّى) دلالة على كثرة نسيان الإنسان، والذي يعيد البعض أصل اشتقاقه اللغوي إلى النسيان222)؛ نظرًا لكثرة نسيانه. وقد جاءت دلالة الكثرة عن طريق التشديد لحرف السين؛ لأن في التشديد زيادة في المعنى، وتأكيدًا لا تحتمله الصيغ المخففة، إذ يدل التشديد على تكرير الحدث ومداومته وتكثيره، فيكون أبلغ في المعنى223). وليس الأمر كذلك فحسب، بل إن في بناء الفعل أُنسّى) للمفعول قيمة في وضوح الجملة وإتباعها لما قبلها، وفي ذلك يقول ابن جنّي:"ينبغي أن يُعلم ما أذكره هنا، وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة وبعد الفاعل، كضرب زيد عمرًا، فإذا عناهم ذكر المفعول قدّموه على الفاعل... ثم إنهم لم يرضوا له بهذه المنزلة، حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغَوا ذكر الفاعل مُظهَرًا أو مُضمَرًا فقالوا: ضُرِب عمر، فاطّرح ذكرُ الفاعل البتة... فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغَوا حديث الفاعل معها، وبنَوا الفعل لمفعوله فقالوا: ضُرب زيد... فإن أُريد ذلك ولم يدل دليل عليه فلا بد من أن يُذكر الفاعل"224). يضاف إلى ذلك: أن في التوجيه النبوي السابق الذكر، إظهارًا لقيمةا لمجاز في الجانب الدلالي؛ لأن في المجاز إثراءً للغة، وتوسيعًا للدلالة225)، ومن هنا ساغ التعبير بالسبب للوصول إلى النهي عن المسبَّب، كأنه يريد أن النهي عن قول: نسيتُ آية كذا وكذا)، ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ226).