فهرس الكتاب
ولعل الموازنة بين القرآن كلام الله وبين سائر أشكال التعبير البشريّ لم تتضح بمثل ما اتضحت عند الباقلاني، وقد كانت غايته من موازنته أن يثبت إعجاز القرآن وتفوقه ومفارقته وخروجه على كل كلام، وطبيعيّ أن يصل إلى مثل هذه الغاية مادام يدرك سلفًا أنه إنما يقارن بين الكلام الصادر عن الربوبية والكلام البشري الذي له أن يستفيد من اتصاف البشر بالنقص وَصْفًَا له. ولعل الباقلاني ههنا يشبه المبرد في نظرته التي ألمحنا إليها آنفًا، غير أنه يطيل في الأمر ويتسع ولا يعلن رأسًا ـ كما أعلن المبرد ـ عجْزَ المقاييس البشرية عن اكتشاف الإعجاز، وإنما هو يعمد إلى المقايسة، ويتجه بالخطاب إلى من يريد أن يعرف موقع القرآن من بقية الكلام فيقول:"فإن أراد أن يقرب عليه أمرًا، ويفسح له طريقًا، ويفتح له بابًا ليعرف به إعجاز القرآن فإنا نضع بين يديه الأمثلة، ونعرض عليه الأساليب، ونصوِّر له صور كل قبيل من النظم والنثر، ونُحْضِرُه من كل فن من القول شيئًا يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق رعايته، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك استدراك الناقد، ويقع له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية الطالع عن الإلهية... [وبين طرف] من الشعر المجمع عليه، فنبين وجه النقص فيه، ونَدُلُّ على انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه" ( [66] ) .
ولكن الباقلاني قبل أن يُقِيم هذه الموازنة بين القرآن والشعر يدعو من يريد أن يعرف روعة النظم القرآني أن يوازن بين القرآن وكلام النبي ? ليعرف الفرق بين الكلامين. وهكذا نجد الباقلاني يعرض طرفًا من خطب الرسول وكتبه إلى بعض الملوك ( [67] ) ، ويقرر من ثم أن"بين الكلامين بونًا بعيدًا، وأمدًا مديدًا، وميدانًا واسعًا، ومكانًا شاسعًا" ( [68] ) .