فهرس الكتاب
ثم لم يَزَل الباقلاني يسرد الخطب والمحاورات لمشاهير خطباء الصدر الأوّل ( [71] ) . ويعقّب بعدها بأن الغاية من سردها هو أن يتأملها المرء، وإذ ذاك"سيقع [له] الفضل بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، و [يعلم] أن نظم القرآن، يخالف نظم كلام الآدميين" ( [72] ) . ولا فرق عند الباقلاني بين أن يكون كلام الآدميين نثرًا أو شعرًا؛ لأن كل ذلك مهما علا لا يبلغ بحال بلاغة القرآن، ولكي يسد الباقلاني أي باب للشبهة ـ ولاسيما ممن قد يَظُن أن الشعر هو الجدير بأن يقارَن به القرآن على اعتبار"أن معظم براعة كلام العرب في الشعر" ( [73] ) ـ نراه يعمد إلى شعر امرئ القيس وإلى معلقته خاصة باعتبارها حازت القبول عند الناس وباعتبار أن بعضهم رأى إمكانية أن يعارض القرآن بها زاعمًا أنها أبلغ ( [74] ) . غير أن الباقلاني لا يَسَعُه أن يقبلها مادام أن الأمر أمر مقارنة بينها وبين نظم القرآن، وهو لا يخفي هجومه عليها من أول سطر في نقده ومن أول بيت فيها. ويستفيض في إظهار العيوب فيها حتى كأنما هو تفكيكيّ قد سبق التفكيكيين، لأن جُل همِّه قد انصرف إلى بيان العيوب. وكان أن خلص من ذلك إلى أن القصيدة"تتفاوت في أبياتها تفاوتًا بيِّنًا في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه... ولا سواءٌ [بين] كلام يُنحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ويختلف اختلاف الأهواء، ويكثر في تصرفاته اضطرابه، وتتقاذف به أسبابه، وبين قول يجري في سبكه على نظام، وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد، وفي صفائه على باب، وفي بهجته ورونقه على طريق..." ( [75] ) وهكذا يصف الباقلاني من أراد أن يعارض القرآن بشعر امرئ القيس بأنه"أضلُّ من حمار باهلة، وأحمق من هبنّقة" ( [76] ) .