فهرس الكتاب
ويدرك الباقلاني أن تهمة التحامل ربما لحقت به في نقده لشعر امرئ القيس ( [77] ) ، ومن ثم نراه يبين أن النقد لم يكن منصرفًا إلى شعر امرئ القيس خاصة، وإنما هو نقد يمكنه أن ينصرف إلى شعر كل شاعر مادام أن الشاعر بشر والبشر مفطورون على النقص، وهيهات لمن اتصف بذلك أن يقاس كلامه بكلام من له الكمال كل الكمال، وعلى ذلك فلن يكون البحتريّ أوفر حظًّا من امرئ القيس، على الرغم من تفضيل الكتّاب إياه على أهل عصرهِ، بل وعلى الرغم من ادعاء"من يدّعي له الإعجاز غلوًّا....". ( [78] ) ـ فالبحتريّ يمكن أن يكون في أشعر شعره هدفًا للنقد، وهو ما صنعه الباقلاني حين اختار من شعره قصيدته التي يقول فيها:
أهلًا بذلكمُ الخيالِ المُقبلِ
فالقصيدة، مع كل مافيها من ديباجة حسنة ورونق مليح كما يقول ( [80] ) ، تنطوي على كثير من مواطن الخلل يستطرد الباقلاني في كشفها لكي ينتهي كما انتهى من قبلُ إلى القول:"هيهات أن يكون المطموع فيه كالميئوس منه، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر". ( [81] ) . ... أَشُدُّ كفِّي بِعُرا صحبته
ويقف الباقلاني في أثناء ذلك على طائفة كبيرة من الآيات القرآنية مبيِّنًا مافيها من روعة النظم والأداء وحسن التصوير والبيان وثراء الدلالات، وكلها مزايا تؤكد"ورودها عن الإلهية، ودلالتها على الربوبية" ( [82] ) ، ولا يمكن أن تكون"من الكلام الذي تَعْلَق به الهمم البشرية، وتحوم عليه الأفكار الآدمية" ( [83] ) .