فهرس الكتاب

الصفحة 18643 من 23694

ويلوح للمرء أن تأخير لفظ موسى عن لفظ هارون أو تقديمه عليه في فواصل الآيات ربما لم يكن مراعاة للفواصل فحسب؛ أي أن التقديم في أحد الموضعين لا يغني عن التأخير، بل كان الموضعان معبِّرين عن دقة في نقل أقوال السحرة، إذ من غير المتوقع أن يتكلم السحرة بقول واحد ولاسيما أن حالهم حال اندهاش. فلعلّ نفرًا منهم قدّم ذِكْرَ موسى على هارون، ونفرًا آخر قدّم ذكر هارون، ومن ثم فإن الموضعين يتكاملان في التعبير عن قصة موسى.

كان استعمال مصطلح"الفاصلة"ضروريًّا إذًا مادام أن مافي القرآن مختلف عن السجع المعهود في الكلام. والاختلاف يقتضي أن يكون لدى الدارسين وصف أو مصطلح جديد يلائم طبيعة الكلام الموصوف الذي سما على كل كلام. أجل فقد تُشْبه الفاصلة السجع من حيث الشكل الظاهر، بيد أنها تختلف عنه اختلافًا بيِّنًا من حيث هي تَرد في القرآن من دون تكلّف أو تنافر، ثم هي ليست من قبيل الزركشة اللفظية، بل هي تتضمن وظائف معنوية وتتغيّا أن يكون لها وقع في الآذان لكي تنفذ الآيات منها إلى القلوب؛ إذ الهدف ليس هو إمتاع الآذان بل استرعاءها للسماع والإصغاء. والحق أن وقع القرآن على الآذان لا يجري على نمط واحد، بل هو يتنوع بتنوع الموضوع: فحينا يكون إيقاعه هادئًا، وحينًا يكون هادرًا، ولكنّه في كل أجزائه يبدو متلائمًا في تركيب حروفه ورصف كلماته إيقاعيًّا بعضها إلى بعض. ويمكن القول إنه قد حاز الدرجة العليا من حيث التلاؤم: إيقاعيًَّا كان ذلك أم معنويًّا؛ أما التلاؤم المعنويّ فهو موجود بين آيات القرآن بل حتى بين سوره وهو ما عُني به بعض المفسرين ( [118] ) ، وأما التلاؤم الإيقاعي فقد رأى أبو الحسن الرماني أن القرآن هو في الطبقة العليا. وفي هذا الشأن نجده يجعل تأليف الكلام في طبقات: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا. فأما المتنافر فمثاله قول الشاعر:

وقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قَفْرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت