فهرس الكتاب
ويناقش الباقلاني اعتراض من يقول: إنه"قد يتفق في القرآن ما يكون من النوعين جميعًا فيجب أن تسموا أحدهما سجعًا" ( [114] ) . وأقوى دليل يستدلون به على ذلك تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع ( [115] ) لمكان السجع وتساوي المقاطع. وهنا كأنما هو يسلّم بأن هذا الموضع ومواضع أخرى معدودة قد يكون التقديم فيها سببُه مراعاة الفاصلة، ولكن ذلك لا يرقى في رأيه أن يكون سجعًا، وكما أن"القليل من الشعر كالبيت الواحد والمصراع والبيتين من الرجز ونحو ذلك يعرض فيه فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصودًا إليه، وإنما يقع مغمورًا في الخطاب، كذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدّرونه" ( [116] ) . ثم إن الباقلاني لا يلبث أن يجدٍ، لتقديم موسى على هارون أو تأخيره عنه، فائدة، وهي:"أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحدًا، من الأمر الصعب، الذي تظهر به الفصاحة، وتتبيّن به البلاغة. وأعيد كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة، على ترتيبات متفاوتة، ونُبِّهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكرورًا. ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها. وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه. وإلى مساواته فيما حكى وجاء به، وكيف وقد قال لهم: ?فَلْيَأْتُوا بحَديثٍ مثْلِهِ إنْ كانُوا صَادِقينَ? [الطور 34] . فعلى هذا يكون المقصد ـ بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها ـ إظهارَ الإعجازَ على الطريقين جميعًا دون السجع الذي توهموه" ( [117] ) .