فهرس الكتاب
ومهما يكن من أمر فإن السيوطي ينقل أن أكثر العلماء لا يجيزون استعمال لفظ السجع وصفًا لنهايات الآيات، بل ينبغي أن تسمى فاصلة لا سجعًا؛ لأن السجع"أصله من سجع الطير؛ فشَرُف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل" ( [110] ) . ولكننا لا نظن أن أصل الاشتقاق هو السبب الذي دعا إلى الحرج من استعمال السجع، بل السبب هو تنزيه القرآن عن أن يكون متعلقًا بأية تهمة من التهم التي وُجهت إليه وإلى من أُنزل عليه. وقد كان ارتباط السجع بالكهانة أمرًا شائعًا ومعروفًا عند الجاهليين. وكان لزامًا على العلماء أن يجدوا فروقًا بين ذلك السجع المعروف وطريقة القرآن، فكان منهم كما بيَّنا آنفًا أن نفوا السجع عن القرآن يقودهم في ذلك الاعتقاد بأن القرآن خطاب إلهيّ، لا يمكن أن ينفي عن نفسه تهمة ترتبط فيما ترتبط بأسلوب معين، ثم يكون في أسلوبه شيء من هذا الذي ينفيه. ومن ثَمَّ راح الباقلاني يطيل النقاش كي ينفي السجع عن القرآن؛ لأن القرآن خارج عن أساليب العرب"ولو كان سجعًا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلًا فيها لم يقع ذلك إعجاز" ( [111] ) . ويَرُدُّ الباقلاني إمكانية أن يقولوا هو سجع معجز بأن هذا لو جاز لجاز لهم أن يقولوا:"شعر معجز"، ولكن هذا لا يجوز،"وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر؛ لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر" ( [112] ) .
ويكرر الباقلاني تمييز الرماني بين السجع وفواصل القرآن من حيث إن"السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظَ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن؛ لأن اللفظ يقع فيه تابعًا للمعنى" ( [113] ) .