أما الحقبة الثانية التي تم تناولها في هذا البحث، فهي حقبة التحرير. وتدل أهمية وجود علماء مغاربة في المدينة، حينما دخلها القائد المحرر صلاح الدين الأيوبي، على أن التواصل لم ينقطع بين القدس والغرب الإسلامي، رغم الاحتلال الصليبي. ويأتي في مقدمة العلماء الذين كانوا في القدس يوم تحريرها سنة 583هـ/1187م، العالم علي بن محمد بن جميل المعافري، وقد عيّنه السلطان صلاح الدين إمامًا في مسجد قبة الصخرة. ومن العلماء الآخرين، الشاعر والطبيب عبد المنعم الأندلسي الجلياني، الذي صنّف لصلاح الدين الأيوبي بعض الكتب، منها في مدحه، ومنها ماله علاقة بتحرير مدينة القدس. وقد تمت الإشارة أيضًا إلى ما أثارته حادثة تحرير القدس، عند بعض علماء الغرب الإسلامي، ورحلتهم، إليها، وحث الناس على زيارتها بعد التحرير.
وقعت بلاد الشام عامة وفلسطين بشكل خاص تحت النفوذ السلجوقي قبيل الاحتلال الصليبي. وكان السلاجقة يدينون بالولاء للخلافة العباسية، وقد قاوموا محاولات الفاطميين المتعددة للسيطرة على فلسطين والشام، لأن هذه المناطق تمثل امتدادًا طبيعيًا لمصر، ومن أجل نشر السيادة الفاطمية على أكبر مساحة ممكنة من العالم الإسلامي. ولم يكن أهل فلسطين، وبلاد الشام عامة يرغبون في الوجودين الفاطمي أو السلجوقي، بل كانوا يتطلعون إلى الإمارة العربية العقيلية في الموصل، بقيادة الأمير مسلم بن قريش العقيلي، الذي حاول بالفعل العمل على طرد أحد زعماء السلاجقة المدعو تتش بن ألب أرسلان، من بلاد الشام، والاستيلاء على القدس ودمشق. ولكن الأمير مسلم بن قريش أخفق في محاولاته لتأسيس دولة عربية كبرى تضم الجزيرة الفراتية وبلاد الشام مع بعض أجزاء العراق، بسبب قوة السلاجقة، فبقي تتش بن ألب أرسلان في فلسطين وجنوبي بلاد الشام.