والمهم في زيارة ابن جبير لبلاد الشام قبيل التحرير الإسلامي للقدس بسنوات قليلة، أنه نبه الأذهان بعد رجوعه إلى الأندلس، إلى أهمية الرحلة وطلب العلم بالنسبة للشباب المغربي في بلاد الشام، ذاكرًا أهم المميزات التي تجعل الفلاح من نصيب الراغبين بالقيام بذلك، منها فراغ البال من أجل المعيشة، والكرم الذي يلاقونه، لأن إكرام الغرباء هي صفة مميزة لسكان بلاد الشام، لاسيما المغاربة منهم (40) . ولا يمكن أن تأتي مثل هذه الدعوة إلا نتيجة اقتناع تام من قبل ابن جبير بملاءمة بلاد الشام لإخوانه في الغرب الإسلامي. ولم تكن القدس بعيدة عن تفكير ابن جبير في دعوته هذه، وإلا لما توجه إليها بعد سماعه بتحريرها، ومن ثم جعلها أحد الأماكن التي فضل البقاء فيها، ومواصلة عملية سماع وإسماع الحديث النبوي الشريف فيها. وقد لاقت دعوة ابن جبير هذه آذانًا صاغية في كل الغرب الإسلامي، مما أدى إلى توافد الكثير من علمائه إلى بلاد الشام، لاسيما القدس، التي لعبوا فيها دورًا مميزًا، يتسم بالفاعلية والعطاء، والتواصل الثقافي. وقد استمر هذا الدور إلى عصور لاحقة.
* ) أستاذ في كلية التربية - جامعة الموصل.
(1) عز الدين أبو الحسن علي بن الكرم المعروف بابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، 1979: 10/282.
(2) ينظر: فاروق عمر ومحسن محمد حسين، تاريخ فلسطين في العصور الإسلامية الوسطى، بغداد، دار الحكمة، 1987، ص159.
(3) ابن الأثير، المصدر السابق: 10/283.
(4) ينظر: عمر وحسين، المرجع السابق، ص 162.
(5) ينظر: حسن حبشي، الحملة الصليبية الأولى، القاهرة، دار الفكر العربي، د.ت)، ص85.
(6) ابن الأثير، المصدر السابق: 10/283- 284؛ وينظر: خاشع المعاضيدي وآخرون، الوطن العربي والغزو الصليبي، الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1981، ص46- 47.