ولقد أثارت حادثة تحرير واسترجاع القدس من أيدي الصليبيين أشجان عالم أندلسي آخر، هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الذي لم تتيسر له الظروف لزيارة المدينة المقدسة في رحلته المعروفة الأولى إلى بلاد الشام سنة 5802هـ/ 1184م، لوقوع المدينة بيد الصليبيين، وعدم رغبته بالذهاب إليها لهذا السبب، واكتفى بالإشارة إليها في رحلته إشارة عابرة، تتضمن مقدار بعدها عن عكا ودمشق، مبديًا أمله في أن تعود إلى أيدي المسلمين، ويطهرها الله من المشركين بعزته وقدرته (38) . ولكنه ما أن سمع بتحريرها حتى رجع إلى المشرق، فزارها سنة 587هـ/ 1191م، ثم عاد ثالثة سنة 597هـ/1200م، ليسكن مكة المكرمة، وينتقل منها إلى القدس، وبقي يرتدد بين الحرمين الشريفين، ويحدّث فيهما إلى أن استقر أخيرًا بالإسكندرية، وتوفي فيها عام 614هـ/ 1217م (39) .