فهرس الكتاب

الصفحة 18716 من 23694

لماذا يسلك صاحبنا هذه الطريق الطويلة المحفوفة بالصعوبات؟ لماذا لا يطرق سبيلًا أخرى؟ ماذا يقصد بعمارة السبيل الأخرى القاصدة إلى بيت الله الحرام ص 50) وما يمنعه من اتخاذها؟ ونحن في مقامنا هذا سنحاول أن نوضح هذه النقطة. فهي ليست تفسّر لماذا لجأ ابن جبير إلى هذه الطريق وحسب وإنما هي تلقي كذلك ضوءًا ساطعًا على الأوضاع السياسية التي كانت قائمة في العقد الثامن من القرن الثاني عشر في الشرق الأوسط العربي. وهي توضح ما يكتفي نصُّ ابن جبير في أغلب الأحيان بالتلميح إليه بخصوص الحروب القائمة بين الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب وأعدائه الصليبيّن. فهذه الظروف الخاصة وتلك الحروب الدامية تحيط بابن جبير ورفاقه خلال رحلتهم وتقرّر مصيرَهم وتفرض عليهم طريقهم التي يسلكونها والاحتياطات التي يتخذونها والتعليقات التي يقولونها. وبتعبير آخر فإنها تسبغ على كتاب الرحلة شكله ومضمونه اللذين نعرفهما. ومن الصعوبة البالغة أن نفهم الرحلة الفهم الكافي وأن ندرك أبعادها على نحوٍ سليم إن جهلنا مجموعَ هذه العناصر.

الصراع ضد الدول الصليبية في بلاد الشام في القرن الثاني عشر

لقد بلغت الحملة الصليبيّة الأولى 1096 ـ 1099) الأراضي السورية في 20/تشرين الأول/1097. وسقطت القدس في 15/تموز/1099. وأخطأ المسلمون في تحليل العدوِّ الجديد لمّا توهّموا هؤلاء الفرنجة على شاكلة الروم البيزنطيين الذين كانوا في قتالٍ معهم منذ أربعة أو خمسة قرون. وفي أواخر القرن الحادي عشر انقسمت سورية على نفسها من الناحيتيْن السياسية والدينيّة. واعتادت على عقد الأحلاف الطائفيّة التي كانت تتنازع فيما بينها. وانصرفت هذه الأحلاف انصرافًا تامًا عن واجب قتال الأعداء ممّا يسرّ للفرنجة النزول في البلاد واقتراف المجازر وترحيل السكان.

وبدأت ردةُ الفعل الإسلامية المُنظّمة ضد ممالك الصليبيّن بظهور زنكي أتابك حلب والموصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت