فهرس الكتاب

الصفحة 18738 من 23694

ولم تغب عن بال سهل، وهو يختار هذا المسلك، المتعة الفنيّة، والقيمة الجمالية، التي تنبع من إدهاش المتلقّي، وهو يرى الحيوان يقلّد السلوك الإنساني، فتميل لسماعه الأسماع، وترغب في مطالعته الطّباع، لأنَّ الوحوش و البهائم والهوامَّ والسوائم، غيرُ معتادة لشيءٍ من الحكمة، ولا يُسند إليها أدبٌ ولا فطنة (11) )) . ولم يغب عن باله، أيضًا، أنَّ الحكمة على لسان الحيوان أدعى للقبول والإقناع منها على لسان الإنسان، الذي تنطوي حكمته الإرشادية، ونصائحه الوعظية على نوع من الاستعلاء الضمني بين الناصح والمنصوح، وهو أمرٌ ـ في حقيقته ـ مرفوض من المتلقي لا شعوريًا، وإن لم يفصح عن ذلك (12) )) .

لهذا كلّه، نهج سهل بن هارون هذا النَّهج، وعارض ابن المقفّع في كتبه، ونسج على منواله، وزاد عليه، وكان أثره في هذا الميدان لا يقلّ عن أثر ابن المقفّع، فقد كان محرّضًا قويًَّا، هو أيضًْا، لكلِّ من جاء بعده في السّير في هذه المناطق العذراء، بعد أن وَطَّأها، وذلّل أكنافها. فهذا ابن النديم يقرّر أنّ علي بن داود كاتب زبيدة ـ وكان أحد البلغاء ـ يسلك في تصنيفاته طريقة سهل بن هارون (13) )) ، ويقول في موضعٍ آخر: ... وكان قبل ذلك مّمن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم، جماعةٌ منهم عبد الله بن المقفّع، وسهل بن هارون، وعلي بن داود كاتب زبيدة، وغيرهم (14) )) .

ومما يُؤسف له، أن مصنّفاته وتآليفه في هذا الفن وغيره، عدت عليها عوادي الدهر وصروفه، وما قدِّر لهذا الحديث أن يُكتب، لولا أنْ مَنّ الدّهر علينا بكتابٍ له، يثبتُ ـ حقًّا ـ أنه بزرجمهر الإسلام )) ؛ وأعني بالكِتاب النّمر والثعلب (15) )) . وهو القصة الوحيدة على لسان الحيوان التي وصلت إلينا، وأتاحت لنا فضلَ دراسته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت