القصة لدى سهل بن هارون الدّواعي والمصنّفات):
يمكن القول، بكثيرٍ من الاطمئنان، إنّ سهلًا كان أول من عارض ابن المقفّع، واتّبع سَنَنَه، في القصّ على لسان الحيوان، بَعْدَ أن طار صيتُه، وعلا ذكره؛ لنقله كتاب كليلة ودمنة إلى الأدب العربي، فحاكاه سهل في أكثر من كتاب. وليس بُعْدُ صيتِ ابن المقفع الباعث الأوحد لهذه المحاكاة ـ على ما أعتقد ـ بل إنّ حكمة سهل، التي تزدحم في حنايا صدره، وتنثال على لسانه انثيالًا، كانت دافعًا محرِّضًا، هي أيضًا، إلى ارتياد هذا السبيل؛ إذ رأى فيه قالبًا يصوغ فيه أفكاره، وبوتقة يصهر فيها حكمته. وأحسبُ أن هذا الصنيع كان سببًا مباشرًا لذيوع اسمه في الآفاق، حتى إنّ الجاحظ ت 255هـ) كان في بداية حياته العلمية ينسب بعض كتبه إليه، فيقبل الناس على كَتْبها، ويسارعون إلى نسخها، كما يقول الجاحظ (9) .
زد على ذلك، أنّ القصّ على لسان الحيوان، سبيلٌ مأمون، يسلكه حكماء السياسة لا بل نُقّادها، وأرباب الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وأصحاب النظرة المثالية المتسامية، فينفّسون به عمّا تجيش به صدورهم. وقد نبّه ابن المقفع من قبل على تحرّي المعاني الباطنة، والمغزى الخفي من كتابه، في أكثر من موضع، فذكر في باب غرض الكتاب أنَّ هناك أربعة أغراض، ينبغي للناظر فيه أن يعلمها، .... والغَرَضُ الرَّابعُ وهو الأقصى، وذلكَ مَخْصُوصٌ بالفَيْلَسُوفِ خاصّةً (10) )) .