وكثر التعليل لدى سيبويه"ت 180"سواء أكان ذلك للمطرد أم الشاذ، فلا قاعدة تبنى من غير إيجاد علّة لها (11) ، وأثر عنه قوله عن العرب:"وليس شيء يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهًا (12) "فكان كتابه أول بحث جامع للعلل النحوية. واتسع سيبويه في هذا المجال فشملت تعليلاته ما وقع في كلام العرب وما لم يقع منه، وإنما كان يفترضه افتراضًا يقدحه على زناد فكره، وكان اتساعه أكثر ما يكون في التعليل للقضايا الصرفية، وعلى الأخص بابي القلب والإعلال (13) . فعلل سيبويه كعلل أستاذه الخليل مدارها على العلل الصرفية من ثقل زخفة، فقد أفرد سيبويه بابًا للتعليل فقال:"هذا باب ما تجعله زائدًا من حروف الزوائد وما تجعله من نفس الحرف (14) "
فمفهوم التعليل لدى المتقدمين من النحاة عامة يراد به جملة الأحكام النحوية المقررة وقد قُرِنَت بالأسباب الموصلة إلى تلك الأحكام، إلا أنّ ما فارق سيبويه أستاذه الخليل في هذا الميدان إنما كان"في التوسّع والإكثار مما كان نزرًا قليلًا عند شيوخه المتقدمين (15) ".
وقد وسمت هذا المرحلة من التعليل بالبساطة والبعد عن التعقيد الفلسفي والانسجام مع روح اللغة، والالتزام بالتوافق فيما بين المعنى والإعراب، وبالتقريرية والبعد عن التخيّل ومما حكات الجدل والكلام الفلسفي، ذلك أنه لم تكن لهم فيها مصادر يمتحون منها عللهم، ولا موارد يرودنها، وحسبهم أنها مما تفتّقت عنه ذهنياتهم وقرائحهم (16) . وكان لنا في نص الخليل الذي ساقه الزجاجي"ت 377 هـ"مرآة تعكس ما قلناه، وتؤكِّد ما ذهبنا إليه.
وازداد من بعدهما التفات النحاة إلى العلل، وفسحوا لها حيّزًا واضحًا، ومكانًا بيّنًا، فكان ذلك ملمحًا من ملامح تعاظم تأثر النحو بعلم الكلام والفقه ورغبته واستمداده منهما التطلّع إلى البحث في العلة وطريقة النظر فيها فكانت علل الفراء لا تخلو من طابع فلسفي رغم جنوحه إلى اليسر والسهولة.