ولفَّ ابن مضاء القرطبي"ت 592 هـ"لَفَّ ابن حزم فجعل الخوض في العلة حرامًا، وزيَّف تعليلات النحاة ورفض العلل الثواني والثوالث ودعا إلى إلغائهما، ذلك أن أيَّ ظاهرة لغوية هي من الله ولا حاجة إلى استنباط العلل، وما على العلماء عند تعرّضهم لأي سؤال عن علة ظاهرة ما إلا أن يقولوا: هكذا نطقت العرب (52) ""
إن في دعوى الظاهريين كثيرًا من الشطط والمبالغة، وكبحًا لجماح الفكر، ودعوة إلى الركود والركون، وتضييقًا عليه، ذلك أنَّ الفكر ومنذ نشأته يبحث عن العلة والسبب، ثم إنّ البحث في العلة والتفكير فيها لهو في صميم الفكر الإسلامي،"فالله ـ تبارك تعالى ـ هو موجدُ العالم، وهو السَببُ الأوّل، والعلَّة الأولى (53) ".
فدعوة الظاهريين ـ في حقيقة الأمر ـ مدعاة إلى سدّ الأفق ـ وحجر اطّراد التطوُر الذي هو أحد سمات العقل الحيّ، وسبيل إلى إصابة الفكر بالترهل، وهي مظهر من مظاهر عودة الفقه إلى التأثير في الفكر النحوي من جديد، ورغبة من أصحابها في بسط سلطانهم عليه إنكار"كل ما فيه من ألا عيب ذهنية قامت على القياس، وأدت إلى أنواع عجيبة من العلل الثواني الثوالث (54) ". ثمّ إنّ العلة التي استنبطها النحاة ليست عِللًا يقينيّة ولم يقل أحدٌ منهم أنَّها كذلك، وإنَّما هي ـ عندهم ـ الوصف الذي يعتقدون أنه وجه الحكمة في اتخاذ هذا الحكم أو ذاك، وفيها سعي من جهة أخرى إلى جعل العادات اللغوي تنضوي تحت جناح التفسير العلمي الذي يجنح إلى إيجاد قواسم مشتركة بينها، فإذا وجدت المقدَّمات لم تتخلّف النتائج. وإذا لنا أن ندلي برأينا في مسألة التعليل، فإننا نجنح إلى رفض تلك العلل الجدلية التي لا طائل من ورائها، والتي تؤدي في حقيقة الأمر إلى تسلسل الأسئلة عن العلل، وإيقاع الفكر في حبائل التشتت والضياع.