والضرب الثاني ما يمكن تحمّله على تجشُّم واستكراه، من ذلك قلب واو"عصفور"ونحوه ياء إذا انكسر ما قبلها، نحو: عُصَفْير، وعَصَافير، فإنّه بالإمكان أن يقال: عُصَيْفور، وعصافِور، إلاّ أنّ ذلك لا يكون إلا مع الجهد والمشقة (47) . وهذه القسمة إلى علل موجبة ومجوِّزة، قسمة فقهيّة، ذلك أنّ ابن جني أول من رأي وضع أصول النحو على أصول علم الفقه والكلام.
والمعلَّل أيضًا له نوعان (48) ، أمّا الأول فهو ما كان معلّلًا بعلّةٍ واحدةٍ، وهي ما يسمّى بالعلّة البسيطة، وهي التي يَقع التعليل بها من وجه واحد، كأن يعلّل بالخفّة، والاستثقال، والجوار، والمشابهة، ... وأما الثاني فما كانت علته مركبة من عدة أوصاف، وصفين فصاعدًا. مثال ذلك تعليل قلب واو"ميزان"ياء بوقوعها ساكنة بعد كسرة، فالعلة ليست مجرد سكون الواو، ولا مجرد وقوعها بعد كسرة، بل العلّة مجموع الأمرين معًا (49) .
وقد وقف ابن حزم"ت 456 هـ"موقف الثائر على النحاة وعللهم، وثار حَمَلة مذهبه من بعده عليهم أيضًا، فعدَّ ابن حزم القول بالعلة والتعليل خطأ وبدعة يحسن بالقائل بها أن يتوب عنها، ذلك أنّ العلة ـ في رأيه ـ"أَصّْلُ خطأ القوم وبعدهم عن الحقائق، وهي بدعة محدثة... ونسأل الله لإخواننا أن يتوب عليهم من بدعة القياس (50) ".
والعلل لدى ابن حزم لا شيء حقيقيًا فيها، ولا يرجع شيء منها إلى الحقيقة، وإنما هو مسموع من أهل اللغة مّمن يُرجَعْ في ضبطها ونقلها إليهم، وهو مع"أنه تحكم فاسد متناقض فهو أيضًا كذب، لأنَّ قولهم: كان الأصل كذا، فاستُثقل فنقل إلى كذا، شيء يُعلم كل ذي حسٍّ أنه كذب لم يكن قطّ، ولا كانت العرب عليه مدَّة ثم انتقلتْ إلى ما سمع منها بعد ذلك (51) ".