إنَّ أبا حيان يدعو إلى إلغاء العلل التي لا ينتج عنها فائدة تطبيقيّة واقعيّ'، أما الأمور الوضعية ـ وعلم اللغة وضعيٌّ ـ"لا يحتاج إلى تعليل... فلا يقال: لم جاء هذا التركيب في مثل: زيدٌ قائم، هكذا؟.. فهذا كله تعليل يسخر العاقل منه ويهزأ من حاكيه فضلًا عن مستنبطه، فهل هذا إلا من الوضعيّات، والوضعيّات لا تعلَّل (60) ؟".
والحقيقة أنّ أبا حيّان لا يلغي التعليل جملة واحدة، ولكنه يرى الأخذ به بعد تقرّر السماع عن العرب وهذا يؤكد إلحاحه على السماع ـ يقول أبو حيان:"... والتعليل إنَّما ينبغي أنْ يسلك بعد تقرُّر السماع، ولا ينبغي أنْ يعول منه إلا على ما كان في لسان العرب واستعمالاتها تشهد له وتومي إليه."
ولقد كان بعض شيوخنا من أهل المغرب يقول: إيّاكم وتعاليل الرمّاني والورّاق ونظائرهما، وكثيرًا ما شُحنت الكتب بالأقيسة الشبهيّة والعلل القاصرة (61) ، وهي التي يعجز عن إبداء مثلها مَنْ له أدنى نظر في الحال الراهنة، ولا يحتاج إلى إمعان فكر ولا إكداد بصيرة ولا حث قريحة (62) ""
ولعمري هل علّل نحاتنا إلا ما سمع من كلام العرب؟
وما رأيناه من مشايعته ابن حزم وابن مضاء ومن لف لفهم من الظاهريين لا تعدو أن تكون صدى نظريًا لصيحة ابن حزم، ذلك أن أبا حيان كان يكثر من العلل"ولا تأتي مثل هذه التعليقات إلا بعد أن يكون قد استوفى العلل وناقشها فموقفه لم يكن موقف من يدعو إلى نبذ العلل، وإذن كان عليه أن ينبذها، ولكنه موقف المعلم الذي يلفت النظر إلى مثل هذه العلل النظرية لهذا الحكم الواحد عادمة الجدوى (63) ".