ب-الرأي المحرك للقدرة على التخطيط الحرْبي، ووضع القرار الحكيم، وحسن إدارة المعارك، والحكمة البعيدة أو بُعد النظر في تعبئة الجيوش، وترتيب الصفوف وتوزيع المهمات القتالية، وحسن اختيار قادة الفيالق والسرايا والكتائب وإسناد المهمات لمن يستطيع النهوض بها حسب الرتب العسكرية والحشود القبائلية والعشائرية طبقًا لما هو متعارَف عليه في مجتمع ذلك الزمان. وباختصار حسن رسم (التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي) كما هو متعارَف عليه في المصطلح العسكري المعاصر، أو كما كانوا يُسندون لخالد إدارة (القُبّة والأعِنّة) في المصطلح العسكري القديم.
فإنَّ الباحث ليتملَّكه الإعجاب من رجلٍ قاد جموعًا غالبيتها من بدو الصحراء، من الأعراب المتمردين على النظام، ولا يعرفون من سنن الحرب إلا الغزو الفوضوي الذي ألفوه في جاهليتهم، والذين لم تمكنهم صحراؤهم من امتلاك الأسلحة إلا البسيطة منها، فنظمهم خالد ورتبهم عسكريًا، وعبَّأهم كراديس وخيالة ورجَّالة وميمنة وميسرة وقلبًا وساقة، وقابل بهم جيوشًا نظامية مدرّبة، فقهر بهم أكبر امبراطوريتين عُرفتا في ذلك العصر، هذا الرأي المدبِّر مع الخاصة الأولى الشجاعة كأنه هو الذي أفصح عن وصفه المتنبي بعد قرنين ونصف عندما قال في مطلع قصيدته المشهورة:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّةٍ ... بلغتْ من العلياء كل مكانِ
وكأن المتنبي عناه بهذه القصيدة الرائعة عندما قال فيها: ... قِمم الملوك مواقد النيرانِ
رفعتْ بك العربُ العمادَ وصيَّرتْ
أنساب فخرِهم إليك، وإنما ... أنساب أصلِهم إلى عدنانِ
إن السيوفَ مع الذين قلوبهم ... كقلوبهنَّ إذا التقى الجمعانِ
فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني
جـ-عقيدة الجهاد في الإسلام: