يرجع المفكر الفرنسي غاستون بشلار في كتابه"الحدوس الذرية"هذا النجاح التاريخي الذي لقيته تلك النظرية إلى أن وراءها صورة حدسية حسية تطالعنا في الحين بعد الحين وهي ظاهرة الهباء أو الغبار. ولكي يوضح رأيه يعمد أول الأمر إلى برهان سلبي. يتخيل عالمًا مكونًا كله من أجسام صلبة معينة الحجوم ومعينة الأمكنة تتميز فيه الأجسام بمقاديرها بشرط أن تكون تلك الأجسام متقاربة في المقادير والحجوم ولا تتفاوت إلا في نطاق محدود. فليس بينها الضئيل الدقيق ولا الجسيم الضخم. لاشك أن التجزئة المادية في هذا العالم تغدو بمثابة عمل من الأعمال المتكلفة الصنعية. نتكلم في هذا العالم على التحطيم والكسر لا على التجزئة الطبيعية. ولو تقدم العلم في هذا العالم الخيالي لاقتصر على تحليل الجسم الصلب تحليلًا هندسيًا. وهذا التحليل الهندسي يُطبَع بطابع الفكر والنظر والخيال فهو من نطاق الممكن الصرف المجرد ولا يقابله شيء في الواقع.
نستبدل بهذا العالم الخيالي عالمًا آخر يبدو فيه كل شيء عجينيًا مائعًا كأن تكون درجة الحرارة فيه عالية تكفي لإماعة الأجسام بعض الإماعة. عندئذ تغدو الأشكال العجينية عبارة عن مراحل وقتية للتغير والصيرورة، وتصبح التجزئة والتقسيم هما القاعدة الأساسية إذ كل شيء لين يسيل ويتغير شكله وينقسم ويتجزأ إلى مالا نهاية. وأمثل صورة لهذه الحال الماء الجاري الذي يعادل انقسامه وتجزؤه في السهولة تجمعه وانضمامه. يصيب في هذا العالم الخيالي أيضًا كما في العالم الخيالي السابق أن نتصور الجزء الذي لا يتجزأ. كلا هذين العالمين الخياليين لا يشمل مستندًا حسيًا حدسيًا يوحي بالجزء الذي لا يتجزأ، لأن تجزئة المادة في العالم الأول غير طبيعية وفي العالم الثاني هي القاعدة وهي يسيرة الإنجاز والتطبيق فيه دائمًا.