عالمنا الواقعي الذي نعيش يحتوي على أجسام صلبة وأجسام مائعة ولكنه يحتوي أيضًا على أجسام في حالة ذرورية. وهذه الحالة الأخيرة ذات أهمية ينوه بها بشلار ويذكر تأثيرها الكيمياوي الخاص وهو العمل بالتماس كما يذكر أن المسحوق قد يوحي بفكرة السم. هو إكسير يُعطى فيجلب بتفاوت مقاديره أما الموت وأما الدواء. وكأن الجسم متى تفتت أو سحق أضاع قسمًا من فرديته وكسب تلقاء ذلك صفة سرية وغدت عناصره مواتية لكل تركيب ممكن. وربما تكون نسبة الخلود للجوهر في بعض الفلسفات القديمة ناشئة عن مثل هذا الاعتبار.
كذلك نجد في أساس حدس المساحيق والغبار أحكام قيم غريبة لأنها في شكلها الذروري تبدو تارة ذات نشاط وذات خواص قوية كالعمل بالتماس الذي أشرنا إليه آنفًا أو كالشفاء في الدواء وتبدو تارة أخرى بمثابة الفضلات حين نتذكر بعض الحالات التاخّة والنَخِرة والسائسة والصدئة أو نتذكر انحتات الأجسام الصلبة ومحَها كالخاتم بالأصبع والحجر الذي يتواتر وقوع حبات المطر عليه ويد التمثال من الشبه الذي يلثمها المؤمن به حين يمر عليه وأبواب المعابد تمسها أيدي الداخلين كل ذلك يبلى شيئًا فشيئًا وتنفصل منه أجزاء ضئيلة لا ترى. فالأجزاء التي لا تجزأ أجسام صلبة دقيقة بالية. وكل شيء بعد وجوده يتفكك ويبلى ويختلط. وقد نجد مثل هذا التفكير عند كثير من الفلسفات المادية والدينية تطبق تشاؤمها على بلى الكون واندثاره وزوال بهجته.