كان خالد يصل إلى هذا الإعياء بأشكال تكتيكية واستراتيجية؛ ففي أول معركة مع الفرس، استخدم التضليل والخدعة، فقد سار بجيشه على طريق كاظمة، وظن العدو أنه سيلتقي مع هذا الجيش بالقرب من هذه المدينة، أو على طريقها على الأقل، وحالما اتجهت قوات الفرس نحو كاظمة، حول خالد اتجاهه نحو الحفير، فاضطر هرمز أن يحول تركه نحو هذا الاتجاه، وما أن تحول وقطع شوطًا، تحول خالد إلى اتجاه كاظمة، فاضطر هرمز أن يعيد جيشه إلى كاظمة، فأصاب جيشه من الإعياء ما أصابه، ولاسيما أنه كان ثقيلًا بحركته وعتاده، وبهذا الشكل التكتيكي، استطاع خالد أن يفتح جيشه للمعركة، وينتصر على أعدائه؛ ويظهر هذا الشكل واضحًا في معركة اليرموك إذ أجل خالد هجومه لقوات الروم إلى اليوم الرابع، وكان خلال الأيام الأربعة متخذًا الوضع الدفاعي، حتى إذا وصل العدو إلى حد الإعياء، قام بهجوم معاكس، قضى فيه على الجيش الرومي وكبّده خسائر كبيرة؛ وهذا مبدأ طبق في الماضي في الحربين العالميتين، وطبق في حرب تشرين عام 1973، وطبّق الآن في فلسطين، وفي أمكنة من العالم على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.
وإنه لمما يزيد الإعياء إعياءً أن الجيش الرومي كان ثقيلًا بأفراده فأغلبهم من البدينين الذين لا يتحركون إلا ببطء وذلك من كثرة الطعام وقلة التدريب؛ ووسائط نقلهم ثقيلة، فهم يجرون بعرباتهم المؤن والألبسة والأعتدة، ونظام قتالهم بطيء وثقيل، إذ يربطون بالسلاسل أثناء القتال حتى لا يستطيع الجندي أن يقاتل إلاّ مع أفراد السلسلة؛ في حين أن أفراد الجيش الإسلامي كانوا على درجة كبيرة من الرشاقة والخفة والمرونة، وذلك لأن طعامهم كان بسيطًا غير معقد، وأن الغزوات والقتال المستمر المرافق للتدريب قد أكسبهم خفة ورشاقة في ميدان القتال، وكذلك فإن الجيش الإسلامي لا يملك عربات، ولا يقيد نفسه أثناء القتال.