لقد كان خالد في فتح العراق مبارزًا كبيرًا ماهرًا، سرعان ما يقضي على خصمه، وكان يجيد التطويق من المجنبات والخلف والأمام، فلم يترك للجيش الفارسي مجالًا في أن يتملص أو ينسحب كما حدث في معركة الوَلَجَة، وكان من أبرز القادة في حصار الحصون، فلم يزل على الحصار حتى يستسلم قائد الحصن ومن معه كما فعل بحصون الحيرة؛ وكان هادفًا في إعادة تنظيم جيشه كلما دعت الحاجة إلى ذلك بشكل يتناسب مع المهمة القتالية وقوةِ العدو وطبيعةِ الأرض كما فعل عندما تقدم إلى الأنبار، وقد أظهر خالد براعة في قتال التلاقي، فهاجم المُصَيَّخ من ثلاثة اتجاهات، وكذلك عند دخوله العراق قسم جيشه إلى ثلاثة تشكيلات، وهذا النوع من القتال كان يعطي خالدًا حرية في القيادة، وسرعة في المناورة، والتعاونَ إذ يستطيع التشكيل الذي تقدم ونجح في مهمته أن يساعد التشكيل الآخر الذي اصطدم بمقاومات عنيفة حالت دون تقدمه، وتضليلَ العدو عن الاتجاه الرئيسي، وتحقيق المفاجأة، والتطويق؛ وطبق خالد في قتاله مع الفرس أيضًا تجزيء القوات المعادية، فكان يحارب كل جزء وحده ويتغلب عليه؛ ومن إيجابيات هذا المبدأ أنه حقق لخالد مبدأ التفوق على هذا الجزء لاسيما وأن القوات الفارسية مجتمعة كانت أضعاف القوات الإسلامية، واستخدم هذا المبدأ في معركة (أُلّيْس) عندما فصل نصارى العرب عن فارس وقاتلهم وحدهم؛ وفي معركة الحيرة عندما قتل ابن صاحب الحيرة مع مجموعة القتال، وأمر قادته بمحاصرة كل حصن على حدة، وفي معركة عين التمرحين فصل تشكيل عقّة بن أبي عقة من العرب وأسره، ولما رأى الفرس ما حل بعقة انهزموا، فطاردهم وقتل منهم الكثير؛ وبالمطاردة وهو نوع من أنواع القتال كان خالد لا يطارد وذلك بسبب إنساني، فإن الهارب أو الذي رمى سلاحه يتركه وشأنه، إنما كان على تماس مباشر مع العدو لئلا يعيد تنظيمه، أو أن يَنْضمْ إلى تشكيل من تشكيلات الفرس، وهؤلاء هم وحدهم الذين لا ينجيهم الفرار من