فهرس الكتاب
وبدأت المعركة، وانطلق القعقاع وشقيقه عاصم نحو الفيل الأبيض، وعزما على النيل من عينيه في البدء، فاختار رمحين لينين، وانطلقا نحوه، يحوط بهما أصحابهما، ليكفوهما فرسان الفرس الذين يدافعون عن الفيل.
وسنحت الفرصة للقعقاع وشقيقه عاصم، والفيل الأبيض متشاغل بالفرسان الذين يقتتلون من حوله، فوضعا رمحيهما في وقت واحد في عيني الفيل، فهاج الفيل وانتفض، ورمى سائسه من على ظهره، وأسرع القعقاع بعدها ليستل سيفه ليقطع خرطوم الفيل، فوقع الفيل على جنبه وسقط الجنود الذين كانوا في الصندوق من على ظهره، فهجم عليهم أصحاب القعقاع وقتلوهم.
وكان أن أدى كل من"الربيل بن عمرو"، و"جمال بن مالك"، مهمتهما، ففقأ عين الفيل الأجرب، وقطعا خرطومه ففر الفيل من أرض المعركة، وكان في أثناء فراره يصيب جند الفرس ويدوسهم ويبعث الذعر في نفوسهم، أما الفيل الأبيض فقد بقي مطروحًا على أرض المعركة، يناله المسلمون بسيوفهم ورماحهم، وهو عاجز عن الحركة لا يبصر ما حوله ولا يستطيع أن يدفع عنه أحدًا.
وما أن بدأت الشمس تغرب، حتى كانت أرض المعركة خالية من فيلة الفرس، وأنشد القعقاع في ذلك اليوم:
خصص قومي مضرحي بن يعمر
وما خام عنها يوم سارت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون الموالي (12)
فإن كنت قاتلت العدو فللته ... فإني لألقي في الحروب الدواهيا
فيولًا أراها كالبيوت مغيرة ... أسمل أعيانًا لها ومآقيا (13)
واستمر القتال يومها إلى بعد غروب الشمس، وطوال الليل، وبات سعد قلقًا، يرهف السمع لصوت يصله، ليطمئنه على سير المعركة، وكان أن وصله صوت القعقاع أخيرًا في النصف الثاني من الليل وهو ينشد: ... أربعة وخمسة وواحدا
نحن قتلنا معشرًا وزائدًا
نحسب فوق اللبلد الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت جاهدًا
الله ربي، واحترزت عامدا (14)
وفي آخر أيام المعركة -يوم القادسية- خاطب القعقاع أصحابه وقد قدر بأن الساعات الحاسمة في المعركة قد أزفت، فقال لهم يشد من أزرهم ويبعث فيهم الهمة والنشاط: