وإذا كانت البطولة تتمثل أحيانًا في البطولة الفردية المغامرة من أجل تحقيق الذات الخاصة في التمرد على التفرقة اللونية العرقية أو الخروج على تقاليد القبيلة، فإن بطولة خالد تمثل ما يمكن تسميته بالبطولة الجمعية، بطولة التضحية بالذات من أجل أن يعيش الآخرون بعدل وأمان، أو هي بمعنى آخر، بطولة إنسانية نبيلة، تهدف إلى نشر العدالة ومحاربة الجور والفساد، أو هي بالإجمال بطولة تمثل الضمير الجمعي الطموح لتطلعات الأمة.
وهنا يظهر دور البطل الفردي في تغيير مسار الأحداث، حين تضعه الأقدار في موقع المسؤولية. وكي نضرب مثالًا على ذلك ننتقل إلى السنة الثامنة للهجرة حيث تلوح في الأفق قافلةٌ تمخر عباب الصحراء القاحلة، مؤلفة من ثلاثة آلاف مجاهد... إنها سرية مؤتة التي خرجت لملاقاة هرقل الذي جاء بمئتي ألف من الروم ومن القبائل التي انضمت إليهم. وكانت وصية الرسول ? أن يتولى الجيش زيد بن حارثة ويكون نائبه جعفر بن أبي طالب فإن أصيب تؤول القيادة إلى عبد الله ابن رواحة فإن أصيب يختار المسلمون بينهم رجلًا يتولى القيادة.
قاتل زيد بن حارثة حتى استشهد، أما جعفر فقد قطعت يمينه فحمل الراية بشماله، وحين قطعت احتضن الراية حتى استشهد. فتولى القيادة عبد الله بن رواحة ثم لحق بصاحبيه، فحمل الرايةَ ثابتُ بن أقرم من بني عجلان وسأل المقاتلين عمن هو أجدر بحملها، فأجمعوا على خالد بن الوليد الذي لم يمضِ على إسلامه سوى بضعة شهور.