فهرس الكتاب

الصفحة 19103 من 23694

خالد بطل.. نعم، وإن إتاحة الفرصة له كي تبرز مواهبه الحربية، كان لها رافدان مهمّان: الأوّل تقديم خالد بوصفه أنموذجًا للبطولة والتضحية والذود عن حياض الأمّة، والثاني قطع الطريق على المدّعين الذين يتسنّمون قيادة الأمّة ثمّ يودون بها إلى الجحيم لأنّهم، بالأصل، لا يملكون موهبة القيادة التي تؤهلّهم لأداء الرسالة التي تناط بهم.

وهنا أيضًا تظهر عبقرية عمر الذي أتاح له بعد النظر أن يمارس صلاحياته، بوصفه خليفة فيدافع عن خالد ويمارس دور الوقاية قبل أن يستفحل الأمر، فيأمر بعزل خالد قبل أن تسوّل له نفسه أن يذهب بعيدًا في الزهو وينتقل إلى سدّة القيادة السياسية فيمارس الإدارة التي لا يعرف مفاتيحها، فيخسر نفسه على الصعيدين: التخلّي عن ساحة المعركة التي يتقنها، والتورّط في الإدارة التي يجهلها، فيخسر بذلك سمعته الجهادية، ويتأذّى المسلمون وهم ما يزالون يبنون دولتهم الفتيّة.

النتيجة المستخلصة من هذا الحدث، ومن خلال قراءة جديدة له، يبدو لنا، بمعنى من المعاني أنَّ الخليفة عمر، بحكمته المعهودة المدهشة، ساهم بتكريس صفة البطولة لخالد بن الوليد، ومن حُنكته خالد الحربية أنّه حاصر مدينة الأنبار وكانت مدينة حصينة محاطة بخندق عميق، لكنه كان قليل الصبر على الحصار فأمر رماته أن يصوبوا سهامهم إلى عيون أعدائهم، وأن يرموهم في وقت واحد، فأصابوا نحو ألف عين منهم، فسميت تلك الواقعة (ذات العيون) .

ثم طاف بالخندق وتخيّر أضيقَ نقطة فيه، فأمر بنحر الإبل الضعيفة، وألقاها في الخندق حتى غطت ذلك الجانب فصنع بذلك جسرًا عبر عليه جنوده تحت غطاء من الرماة الذين أخذوا يرشقون حامية الحصن بالنبال، حتى استطاع اقتحام الحصن وفتح المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت