عاودتُ تصفُّح الكتاب عن زهير، ووقفتُ عند تحليل أفكار معلقته، وكنتُ معجبًا بأبيات الحكمة التي جاءت في آخرها، وهي التي أُعجب بها عمر بن الخطاب، فجعله أشعر الشعراء، وأعجبتني وِقفة أحد المستشرقين ـ ولبعضهم وقفات منصفة ـ عند أبيات من المعلّقة أعطاها عنوان: (دعوة إلى السلام) ، وذكر أبياته في وصف الحرب التي يعرفها المؤرخون باسم (حرب داحس والغبراء) تلك الحرب التي قامت بين عبسٍ وذبيان، واستمرت أربعين سنة فيما يقول المؤرخون، عاودتُ قراءة هذه الأبيات من وصف الحرب في هذا الزمن الذي تُقرع فيه طبول الحرب، وتُشاهَد على الطبيعة وعلى شاشات التلفاز التي تطالعنا بها القنوات الفضائية، حاملات الطائرات، والصواريخ، والجنود الذين يودِّعون أسرهم بالقُبَل والدموع، ويدخلون بقلوبٍ واجفة ليحطّوا رحالهم في صحراء مقفرة، يتحفّزون ويتدربون على صناعة الموت للآخرين أو لأنفسهم، ولإلحاق الخراب في الأرض العمار، وهم يُدركون أن الموت المجاني الذي يحملونه بآلة الحرب التي يقذفونها سَيترك أطفالًا يتامى كأطفالهم الذين ودّعوا براءتهم بالأمس القريب، وأرامل وثواكِل كنسائهم وأمهاتم، اللواتي لوَّحنَ بأيديهنَّ مودّعات لهم، وسُفُن الحرب تبتعد بهم عن شواطئ الأهل إلى المصير المجهول.